ليبيا بين المراجعات والمواجهة: كيف انقلب إسلاميو الجماعة المقاتلة على سيف الإسلام القذافي؟

في واحدة من أكثر صفحات التاريخ السياسي الليبي تعقيدًا، تبرز قصة انقلاب الجماعات الإسلامية على نظام القذافي، بعدما بدا أن ملفات المصالحة والاعترافات العلنية كانت تمهيدًا لمواجهة لاحقة أعادت رسم المشهد الليبي بالكامل.
القصة تبدأ من عام 2009، حين قاد سيف الإسلام القذافي عملية “مراجعات فقهية” مع الجماعات المسلحة، مرورًا بالاعتذارات العلنية، وانتهاءً بانفجار العنف في 2011 وسقوط النظام.
البداية: صفقة “الودان” في 2009، أطلق سيف الإسلام عبر مؤسسة القذافي للتنمية حوارًا سياسيًا وفقهيًا مع قيادات الجماعة الإسلامية المقاتلة، بإشراف شخصيات دينية دولية مثل يوسف القرضاوي وعلي الصلابي، ومشاركة علماء من التيار “السروري”، أبرزهم الداعية السعودي سلمان العودة.
أسفر الحوار عن إطلاق سراح أكثر من 705 عناصر من الجماعة، مقابل وثيقة عُرفت بـ “الدراسات التصحيحية”، تضمنت:
التخلي عن العنف المسلح
تحريم استهداف المدنيين
اعتبار “الجهاد” فرض كفاية لا فرض عين
رفض التغيير السياسي بالقوة
هذه الوثيقة، التي صدرت في أغسطس 2009، مثلت خطوة تاريخية نحو المصالحة، أو هكذا بدا الأمر في البداية.
اعتذارات علنية وإيمان على المصحف
شهد 23 مارس 2010، بفندق “الودان” في طرابلس، لحظة مفصلية في السياسة الليبية، حين وقف عبد الحكيم بلحاج وسامي الساعدي وخالد الشريف أمام الإعلام والسفراء الأجانب، لتقديم اعتذار رسمي للعقيد القذافي.
وسجّل الأرشيف السياسي أن بلحاج أدى ثلاثة أقسام على المصحف بعدم حمل السلاح ضد الدولة:
أثناء كتابة المراجعات
عند إرسال برقية عهد ومبايعة للقذافي
قبيل المؤتمر الصحفي الذي انتهى بإطلاق سراحه
في حينها بدا أن الحوار والتقارب قد نجحا في كسر شوكة الجماعات المسلحة.
زلزال 2011: انهيار الوعود واندلاع المواجهة
مع انطلاق ثورة فبراير 2011، سقطت التعهدات دفعة واحدة.
برزت الوحدات العسكرية الجديدة مثل:
كتيبة عمر المختار
كتيبة شهداء أبو سليم
وعاد عبد الحكيم بلحاج ليقود العمليات العسكرية التي اقتحمت باب العزيزية، ويعلن نفسه رئيسًا للمجلس العسكري لطرابلس، متخذًا قاعدة معيتيقة الجوية مقرًا له، بعيدًا عن سلطة الدولة الرسمية.
هذه اللحظة مثلت التحول النهائي من المراجعات السلمية إلى الانخراط الكامل في الصراع المسلح، ليكشف عن هشاشة التوافقات مع الجماعات المسلحة حين تتغير موازين القوة.
ما بعد السقوط: المال، الأجهزة الموازية، والسيطرة
لم يقتصر التحول على الجانب العسكري، بل امتد للجانب المالي والأمني:
كشفت وثائق مسربة عن اتهامات بلحاج بالاستيلاء على 75 مليون دولار من مخازن باب العزيزية، زُعم استثمار جزء منها في الخارج، وهو ما نفاه لاحقًا.
خلال عهد المؤتمر الوطني 2012، أنشأ الإسلاميون جهاز الحرس الوطني بقيادة خالد الشريف، ضم نحو 3000 عنصر، تولى مهام استراتيجية مثل:
السيطرة على سجن الهضبة
إدارة المقرات الحكومية والإعلامية
حماية مواقع حساسة خارج سلطة الدولة الرسمية
الخلاصة: مراجعات تكتيكية أم تحول عقائدي؟
فمراجعات الجماعة الإسلامية في ليبيا كانت تكتيكية أكثر من كونها عقائدية. بينما استمرت مراجعات مماثلة في دول أخرى بشكل مستقر، انتهت مراجعات ليبيا بمجرد تغير موازين القوى، مما يطرح سؤالاً استراتيجياً حول جدوى الحوار مع جماعات أيديولوجية مسلحة في أوقات ضعف الدولة.
التجربة الليبية تثبت أنه في اللحظة التي تتغير فيها ميزان القوى، تسقط الوثائق والأقسام، وتبدأ المواجهة المسلحة.


تعليقات 0