خريف الدماء.. قراءة في «صناعة» الفوضى

مع بزوغ ديسمبر 2010، انفتحت أبواب الجحيم في تونس تحت مسمى ناعم صاغه الإعلام الغربي ومنصات “الجزيرة”: «ثورة الياسمين».
ولم يكن ذلك إلا الستار الأول لمسرحية الفوضى التي سرعان ما انتقلت عدواها إلى قلب العروبة، مصر؛ حيث اختير ذكرى صمود الشرطة المصرية ضد الاستعمار ليكون موعداً لإشعال فتيل «ثورة اللوتس».
توالت الفصول الجحيمية المرسومة بدقة لتجتاح سوريا، ليبيا، اليمن، والبحرين. لم تكن تلك حركات عفوية، بل كانت “الإصدار المطور” لثورات جين شارب الملونة.
وبينما كانت الشعوب منومة مغناطيسياً، ترقص بانتشاء فوق برك الدماء، ظهرت هيلاري كلينتون بملامحها التي تحمل بصمة شيطانية لتعلن بزهو: «إنه أمر مذهل.. إنه ربيع عربي جديد!».
البرمجة اللغوية وسحر المصطلحات
لقد نجحت عملية “الزراعة الفكرية” لمصطلح هيلاري في الوعي الجمعي؛ فغدت الألسن تردده بلا وعي كآلات مبرمجة، رغم أن الواقع كان يصرخ بخلاف ذلك تماما.
في المشهد الموثق:
تظهر كلينتون وهي تحتفل مع فصائل ليبيا المدعومة من “الناتو”، منتشيةً بمشهد مقتل القذافي تحت شعارات “العيش والحرية”، وكأنها تضع ختم الفخر على صنيعتها في ذلك الربيع المزيف الذي لم يكن سوى قربان بشري هائل قُدّم على مذابح الأجندات الدولية.
الحصاد المر
إن التاريخ لن يرحم؛ فكل من صفق أو هلل أو ساند تلك الفوضى الشيطانية، هو شريكٌ معنوي في كل قطرة دم سُفكت في عواصم العروبة.
وما نراه اليوم من تمزيق ممنهج لجسد الدولة السورية، ليس إلا فصلًا كابوسيًا متصلًا لتلك المؤامرة التي انطلقت تحت مسميات “الربيع” لتنتهي بخريفٍ يغتال الأوطان.
وتشير القراءة النقدية للأحداث التي ذكرتَها إلى أن جين شارب (Gene Sharp) لم يكن مجرد أكاديمي، بل كان “الأب الروحي” والمهندس الخفي لتقنيات الإطاحة بالأنظمة دون الحاجة لجيوش تقليدية.
إليك كشفٌ لطبيعة دوره وكيف استُخدمت نظرياته في سياق “الربيع العربي”:
1. سلاح “القوة الناعمة” المدمر
جين شارب هو مؤسس معهد “ألبرت أينشتاين”، ومؤلف كتاب «من الدكتاتورية إلى الديمقراطية». هذا الكتاب لم يكن تنظيرًا سياسيًا عاديًا، بل كان “كتالوج” أو دليل استخدام يحتوي على 198 طريقة للمقاومة اللاعنفية. هذه الطرق صُممت لتفكيك مؤسسات الدولة تدريجياً عبر سلاح “الارتباك المنظم”.
2. استراتيجية «كسر الهيبة»
اعتمد دور شارب على فكرة أن أي نظام سياسي، مهما بلغت قوته، يعتمد على طاعة الشعب. لذا، ركزت خطته على:
* عزل النظام: دفع الناس لكسر حاجز الخوف من خلال رمزية معينة (ألوان، زهور، شعارات موحدة).
* استمالة القوى الأمنية: محاولة إحداث انشقاق في جسد الدولة (الجيش والشرطة) عبر الضغط الشعبي والنفسي.
* المسرحة السياسية: تحويل الميادين إلى منصات عرض تجذب الإعلام العالمي، مما يجعل أي محاولة للدولة لفرض النظام تبدو كـ “جريمة ضد الإنسانية”.
3. التدريب العابر للحدود
لم تكن أفكار شارب تنتقل بالصدفة؛ بل كشفت تقارير عديدة عن دور منظمات مثل (CANVAS) في صربيا، التي تبنت فكر شارب وقامت بتدريب نشطاء من تونس ومصر ودول أخرى قبل عام 2011. كان التدريب يركز على:
* كيفية اختيار “الشعارات” التي تداعب العواطف (خبز، حرية، كرامة).
* كيفية استخدام التكنولوجيا ووسائل التواصل كغرف عمليات لإدارة الحشود.
4. الثورات الملونة: من صربيا إلى دمشق
دور جين شارب كان المحرك الأساسي لما يُعرف بـ «الثورات الملونة» (مثل الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وثورة الورد في جورجيا). في “الربيع العربي”، تم استنساخ نفس القالب:
* الاسم اللطيف: (ياسمين، لوتس) لإعطاء انطباع بالبراءة والسلمية أمام الرأي العام الدولي.
* الهدف المبطن: هدم “كيان الدولة” وليس فقط تغيير رأس النظام، مما يترك الساحة فارغة للفوضى أو للبدائل الجاهزة (كما ذكرتَ عن صعود التيارات المدعومة خارجيًا).
الخلاصة
جين شارب قدم “العِلم” الذي مكن القوى الكبرى من ممارسة “الهندسة الاجتماعية” للشعوب.
لقد حوّل الغضب الشعبي المحق أحياناً إلى أداة تقنية تُدار من غرف مغلقة، لتحقيق نتائج جيوسياسية تخدم مشاريع مثل “الشرق الأوسط الكبير”، وهو ما يفسر لماذا انتهت تلك “الثورات” بتمزيق الدول بدلاً من إعمارها.


تعليقات 0