تميمة سلجوقية غامضة تكشف أسرارًا جديدة من تاريخ ليسترا التركية

أسفرت الحفريات الأثرية الجارية في مدينة ليسترا القديمة بمحافظة قونية وسط تركيا عن اكتشاف تميمة برونزية نادرة يرجح أنها تعود إلى العصر السلجوقي، في اكتشاف يضيف بعدا جديدا لتاريخ الموقع الذي شهد تعاقب حضارات متعددة شملت العصور الرومانية والبيزنطية والسلجوقية والعثمانية.
وذكرت مصادر متخصصة أن هذا الاكتشاف يعزز فهم الباحثين لطبيعة الحياة اليومية والمعتقدات السائدة في ليسترا خلال العصور الوسطى.
وجاء الاكتشاف ضمن أعمال تنقيب مرخصة من وزارة الثقافة والسياحة التركية، وبدعم من جامعة نجم الدين أربكان وبلدية قونية الكبرى وبلدية مرام، حيث تجرى الحفريات في منطقتي خاتون سراي وبوتسا، وهما من المواقع التي تحتضن بقايا مدينة ليسترا المعروفة أيضا بالاسم ذاته في المصادر الكلاسيكية القديمة.
وتمكن فريق التنقيب بقيادة الأستاذ المشارك إيلكر ميتي ميمير أوغلو من جامعة نجم الدين أربكان من العثور على التميمة البرونزية داخل ما يرجح أنه مبنى سكني يعود إلى العصر السلجوقي، وقد عثر عليها بجوار محبرة خضراء مزججة كانت تستخدم كأداة كتابة يومية في تلك الحقبة، وهو ما ساعد الباحثين على تحديد الإطار الزمني للاكتشاف بدقة أكبر.
وأوضح ميمير أوغلو أن التميمة جاءت على هيئة قلادة برونزية مثلثة الشكل، وتحمل على جانبيها سطرين من النقوش المرتبة بصورة معكوسة، وهو ما يشير إلى استخدامها كتعويذة واقية كانت تعلق في الرقبة، وهي من الأنماط المعروفة للتمائم التي استخدمت للحماية من الأخطار في ذلك العصر.
وتخضع التميمة حاليا لأعمال ترميم دقيقة بهدف فك رموز النقوش المحفورة عليها، حيث لم يتمكن الخبراء حتى الآن من قراءة النصوص كاملة.
وأكد رئيس فريق التنقيب أن استكمال الترميم سيمكن الباحثين من تقديم تفسير أكثر دقة لوظيفتها ودلالاتها الثقافية والدينية.
ورغم ندرة العثور على تمائم مماثلة في الأناضول، فإن نماذج قريبة منها معروفة في مناطق آسيا الوسطى، حيث كان الجنود والمسافرون يرتدون مثل هذه التمائم اعتقادا بقدرتها على الحماية، ما يعكس الروابط الثقافية بين مناطق النفوذ السلجوقي المختلفة.
كما سلط الاكتشاف الضوء على طبيعة التعايش الديني في ليسترا خلال العصر السلجوقي، إذ كشفت الحفريات داخل وحول مجمع الكنيسة الرئيسي عن نحو ثمانين قبرا يعتقد أنها تعود لمسيحيين عاشوا في المنطقة خلال الحكم السلجوقي، في دليل أثري نادر يؤكد ما ورد في المصادر التاريخية عن وجود مجتمعات مسيحية في الأناضول خلال تلك الفترة.
واحتوت هذه المدافن على مقتنيات متنوعة شملت محابر مزججة وعملات معدنية وخرزا فيروزيا، وهي عناصر تتوافق مع الثقافة المادية السائدة في العصر السلجوقي، ما يعزز من قيمة الاكتشاف وأهميته العلمية.
وامتدت أعمال التنقيب أيضا إلى المنحدرات المحيطة بمدينة ليسترا القديمة، حيث تم العثور على مبان سكنية تعود إلى العصر العثماني وجرار تخزين كبيرة تعرف باسم بيثوي كانت تستخدم لحفظ المنتجات الزراعية، إضافة إلى عملة فضية نمساوية تعود إلى القرن السابع عشر، في إشارة واضحة إلى الدور التجاري المهم الذي لعبته ليسترا خلال العهد العثماني.
وأكد فريق التنقيب أن هذه المكتشفات تدعم فرضية استمرار اتصال ليسترا بشبكات التجارة الإقليمية والدولية لعدة قرون، حيث كانت البضائع والعملات تتدفق إليها من مناطق مختلفة من أوروبا وخارجها، ما يعكس الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية للمدينة عبر العصور.


تعليقات 0