17 فبراير 2026 01:06
سيناء الإخبارية
سيناء الإخبارية

جامع “الأقمر”.. أيقونة المعمار الفاطمي التي حاكت الشمس وتلألأت بنور القمر في قلب القاهرة

على ناصية شارع المعز لدين الله الفاطمي، يقف جامع الأقمر شامخاً كأحد أكثر الآثار الإسلامية تعقيداً وجمالاً. هذا الجامع الذي لا يعتبر مجرد دار للعبادة، بل هو قصيدة معمارية منحوتة في الحجر، نجح مهندسوه في قهر تحديات المساحة ليرسموا لوحة تتلألأ تحت قمر القاهرة، حاملةً في ثناياها أسرار الفلسفة الفاطمية وعبقرية الهندسة الإسلامية.

يمتاز “الأقمر” بتصميم فريد فرضته طبيعة أرضه المشطورة بين شارعين؛ فجاء التخطيط الخارجي كمستطيل غير منتظم، بينما يخدعك الداخل بانتظامه التام (28 مترًا × 17.5 متر).

العبقرية الحقيقية تكمن في “الواجهة المنحرفة”؛ حيث بنيت لتوازي خط تنظيم الشارع، بينما انحرف الصحن والقبلة في الداخل ليتخذا الوضع الصحيح للصلاة، في واحدة من أبكر معالجات “الزاوية” في العمارة الإسلامية.

تعتبر واجهة الجامع أول واجهة مزخرفة في تاريخ مساجد القاهرة، وهي مزيج من “الدلايات” والنقوش النباتية والخطية. وتبرز فيها دوائر زخرفية تشبه الشمس الساطعة، يتوسطها اسم الإمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه).

ويرى المؤرخ الدكتور أحمد فكري أن هذه “الشموس الحجرية” هي تجسيد بصري لقوله تعالى: “جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً”، خاصة مع وجود “الطاقة الكبرى” التي تجمع اسمي النبي محمد ﷺ والإمام علي، محاطة بآية التطهير بالخط الكوفي.

يروي المؤرخ “المقريزي” أن الجامع بني في مكان دير قديم عُرف بـ “بئر العظمة”، تخليداً لذكرى شهداء الأقباط. سُمي المسجد بـ “الأقمر” للون حجارته البيضاء التي تحاكي ضياء القمر.

ويُصنف كـ “مسجد معلق”، إذ بُني فوق حوانيت (دكاكين)، وأُلحق به قديماً حوض لشرب الدواب.

لم يتوقف سحر “الأقمر” عند حدود العصر الفاطمي؛ ففي القرن العشرين، استلهم مصممو المتحف القبطي واجهته بالكامل من واجهة الجامع، مع استبدال العبارات الإسلامية برموز مسيحية وصلبان، في إشارة بليغة إلى وحدة النسيج المعماري والوطني المصري عبر العصور.

يتكون الجامع من صحن مكشوف (10 أمتار مربعة تقريباً) يحيط به رواق من ثلاث جهات، بينما يضم إيوان القبلة ثلاثة أروقة محلاة بعقود مزينة بكتابات كوفية، ترتكز على أعمدة رخامية قديمة ذات تيجان وقواعد متفاوتة الجمال، تمنح الزائر شعوراً بالسكينة والخشوع.