17 فبراير 2026 17:15
سيناء الإخبارية
سيناء الإخبارية

“يهود المملكة الوسطى”.. القصة المنسية لجالية عبرت طريق الحرير لتستوطن قلب الصين منذ ألف عام

في زقاق ضيق بمدينة “كايفنغ” الصينية، تلمح وجوهاً بملامح “الهان” التقليدية، لكن أسماء عائلاتهم تروي حكاية أخرى.

هنا، حيث تلاشت حدود الجغرافيا وانصهرت الهويات، تعيش واحدة من أقدم وأغرب الجاليات في العالم؛ “يهود كايفنغ”.

هم أحفاد تجار فارس الذين استبدلوا رمال الصحراء بضفاف النهر الأصفر، ليصنعوا ملحمة استثنائية من الاندماج الذي لم يمحُ “الذاكرة الصامتة” لجذورهم الضاربة في أعماق التاريخ.

من بلاد فارس إلى قصور “سونغ”

تبدأ الدراما في القرن الحادي عشر الميلادي، حين وصلت قافلة من تجار القطن والمنسوجات القادمين من بلاد فارس وعبر طريق الحرير إلى عاصمة أسرة “سونغ” الشمالية.

وبدلاً من العزلة، استقبلهم الإمبراطور الصيني بترحابٍ لافت ومرسومٍ تاريخي قال فيه: “لقد جئتم إلى صيننا؛ احترموا وحافظوا على عادات أسلافكم”. كان هذا التصريح بمثابة شهادة ميلاد لجالية يهودية بلمحة كونفوشيوسية.

معبد يشبه “الباغودا” وديانة “مستأصلي العرق”

في عام 1163م، ارتفع في سماء كايفنغ أول كنيس يهودي، لكنه لم يكن يشبه كنائس أوروبا؛ بل كان تحفة معمارية صينية تشبه “الباغودا”، تتجه محرابها نحو القدس غرباً، بينما تتزين جدرانها بالنقوش الصينية.

أطلق عليهم جيرانهم لقب “تياو جين جياو” (الديانة التي تستأصل العرق)، دهشةً من طقوس “الكوشر” التي تفرض إزالة عرق النسا من الذبائح، وهي التفاصيل التي جعلتهم جزءاً غامضاً ومحترماً في النسيج المحلي.

الانقطاع الكبير.. حين يبتلع التنين الصيني الهوية ببطء

مع انهيار طريق الحرير، فُصلت الجالية عن العالم الخارجي. قرون من العزلة حولت العبرية إلى “لغة منسية” بعد وفاة آخر حاخاماتهم في القرن التاسع عشر، وابتلعت فيضانات النهر الأصفر كنيسهم الوحيد.

اندمجوا تماماً؛ ارتدوا حرير الصين، وتحدثوا بلهجاتها، وحملوا الألقاب السبعة التي منحها إياهم الأباطرة (آي، شي، غاو، غان، جين، لي، تشانغ)، ليصبحوا “يهوداً بالقلب وصينيين بالقالب”.

العودة من الرماد.. صراع الهوية في القرن الحادي والعشرين

اليوم، وفي ظل واقع سياسي معقد لا يعترف باليهودية كدين رسمي في الصين، يحاول ما بين 500 إلى 1000 من الأحفاد استعادة خيوط هويتهم المفقودة.

يحتفلون بعيد الفصح خفية، ويتعلم الشباب العبرية بمساعدة منظمات دولية، بينما يخوض القليل منهم رحلة “العلية” (الهجرة إلى إسرائيل) التي تفرض عليهم تحولاً دينياً كاملاً، نظراً لاختلاف حساب النسب بين الأب (في الصين) والأم (في اليهودية التقليدية).

مستقبل مرهون بالذاكرة والسياسة

تقف جالية كايفنغ اليوم عند مفترق طرق؛ بين ولاء وطني مطلق لبكين، وحنين إنساني لجذور بدأت يوماً ما تحت شمس بلاد فارس.

إن بقاءهم لأكثر من ألف عام دون اضطهاد يعد وثيقة تاريخية على “التسامح الصيني” القديم، لكن صمودهم القادم يعتمد على قدرة تلك “الذاكرة الصامتة” على مقاومة رياح الحداثة والسياسة الدولية.