28 فبراير 2026 09:33
سيناء الإخبارية
سيناء الإخبارية

«جنوب آسيا بين نارين».. الحرب المفتوحة بين باكستان وأفغانستان تنذر بأزمة طويلة الأمد

تشهد منطقة جنوب آسيا تصاعدًا متسارعًا في التوترات بين باكستان وأفغانستان، ما يهدد بتحويل الصراع إلى أزمة طويلة الأمد قد تعيد رسم ملامح الاستقرار الإقليمي.

فبعد سنوات من التحالفات الضمنية والدعم غير المعلن، دخل الطرفان مرحلة جديدة عنوانها المواجهة المفتوحة، وسط تقاطع أزمات ممتدة من جبال الهيمالايا إلى حدود إيران، ما يجعل المنطقة برمتها رهينة حسابات دقيقة قد تتجاوز حدود البلدين لتطال استقرار قارة آسيا بأكملها.

من التحالف الضمني إلى المواجهة العلنية
بعد سيطرة حركة طالبان على أفغانستان عام 2021 عقب انسحاب التحالف الذي قادته الولايات المتحدة، اعتقدت باكستان أن عودة الحركة إلى الحكم ستكون لمصلحتها، خاصة في ظل تاريخ طويل من العلاقات المتشابكة. حينها زار رئيس المخابرات الباكستانية العاصمة كابول مطمئنًا بأن الأمور ستسير على ما يرام، لكن السنوات الخمس التالية حملت مسارًا مغايرًا تمامًا، إذ تحولت العلاقة من شراكة غير مباشرة إلى صدام عسكري وصفه وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف بالحرب المفتوحة، ما يعكس عمق الهوة بين الطرفين.

جذور الخلاف واتهامات متبادلة
يتركز الخلاف حول اتهام باكستان لحركة طالبان الأفغانية بدعم جماعات مسلحة داخل أراضيها، من بينها حركة طالبان باكستان التي سببت دمارًا واسعًا خلال السنوات الماضية.

من جانبها تنفي طالبان الأفغانية هذه الاتهامات مؤكدة أن الملف الأمني داخل باكستان شأن داخلي. هذا التباين يعكس سوء تقدير متبادل، إذ اعتقدت باكستان أن دعمها السابق سيترجم إلى التزامات واضحة من طالبان، بينما ترى الحركة أنها غير مدينة لأحد، ما أدى إلى تصدع كبير في أسس العلاقة.

تصعيد عسكري يتجاوز الحدود التقليدية
لم يعد التوتر على طول الحدود الممتدة نحو 2600 كيلومتر يقتصر على مناوشات محدودة، بل شهد تصعيدًا مع استخدام باكستان طائرات حربية لضرب أهداف داخل العمق الأفغاني، بما في ذلك مواقع في كابول وقندهار معقل قيادة طالبان.

هذا التحول من استهداف مجموعات مسلحة حدودية إلى ضرب مواقع مرتبطة بالحركة يمثل تصعيدًا نوعيًا يفتح الباب أمام ردود فعل غير محسوبة، ويجعل احتمالات احتواء الأزمة بسرعة ضعيفة في ظل غياب حوار صريح حول مستقبل العلاقة بين البلدين.

اختلال ميزان القوة واحتمالات الاستنزاف
تمتلك باكستان جيشًا قوامه 660 ألف جندي مدعومًا بـ 465 طائرة مقاتلة وترسانة كبيرة من المدرعات والمدفعية، وهي دولة مسلحة نوويًا، بينما تعتمد طالبان على نحو 172 ألف مقاتل بقدرات تقليدية محدودة ودون قوة جوية.

غير أن التجربة منذ 2001 أثبتت قدرة الحركة على خوض حروب استنزاف طويلة، مستفيدة من التضاريس الوعرة والشبكات غير النظامية، ما يجعل التفوق العددي والتقني غير مضمون لحسم المواجهة بسرعة وقد يدفع نحو صراع منخفض الحدة طويل النفس يرهق الطرفين.

شبح الجبهتين وقلق إقليمي متصاعد
تزداد المخاوف الباكستانية مع استمرار التوتر على حدودها الشرقية مع الهند، خاصة بعد اشتباك استمر أربعة أيام في مايو 2025، ما يثير هواجس القتال على جبهتين في وقت واحد.

واتهمت إسلام أباد نيودلهي بدعم متمردين داخل أراضيها، بينما تنفي الهند ذلك، لكن استمرار الانتشار العسكري يعمق المخاوف.

مواجهة ممتدة مع أفغانستان تبدو في هذا السياق سيناريو ضاغطًا قد يعيد خلط الأوراق الأمنية في المنطقة بأسرها.

وساطات محدودة وأفق غامض
رغم استعداد قوى إقليمية مثل الصين وروسيا وتركيا وقطر للوساطة، إلا أن الجهود لم تحقق اختراقًا ملموسًا.

ومع غياب الثقة وتراكم الشكوك وتضارب الحسابات، يبقى المشهد مفتوحًا أمام احتمالات عدة، من احتواء تدريجي عبر قنوات خلفية، إلى انزلاق نحو أزمة مزمنة تعيد تشكيل معادلات القوة في جنوب آسيا وتمنح الجماعات المتطرفة مساحة أكبر للتحرك في ظل الفوضى.