تمثال ” تاورت ” بالمتحف المصري.. حارسة الأمهات والأطفال تجسد عقيدة الحماية في مصر القديمة

في إحدى زوايا القاعة رقم 24 بالدور الأرضي داخل المتحف المصري، تقف قطعة أثرية مبهرة تجمع بين الدقة الفنية والرمزية الدينية العميقة؛ إنها تمثال الإلهة تاورت الذي يعود إلى عصر النهضة في مصر القديمة، وتحديدًا خلال حكم الأسرة السادسة والعشرين.
لا يُعد هذا التمثال مجرد عمل فني متقن بلمعانه ونعومة ملمسه، بل يمثل تجسيدًا واضحًا لعقيدة الحماية والخصوبة التي هيمنت على الفكر الديني لدى المصريين القدماء. فقد صُورت الإلهة ” تاورت ” في هيئة أنثى فرس النهر واقفة، وهو الحيوان الذي ارتبط بقوة بطبيعة نهر النيل والبيئة المحيطة به، كما ارتبط بالولادة الصعبة، ما جعل هذه الإلهة رمزًا للحماية الإلهية للأمهات والأطفال.
تتجلى براعة النحات المصري القديم في هذا التمثال من خلال دمج ملامح عدة كائنات قوية في هيئة واحدة؛ إذ تقف ” تاورت ” مرتكزة على كفوف أسد، بينما يظهر صدرها وبطنها البارزان كرمز واضح للأمومة والخصوبة الدائمة، في إشارة رمزية إلى التربة السوداء الخصبة التي يمنحها نهر النيل لمصر.
ومن التفاصيل اللافتة في التمثال أن مخالبها الأمامية تستند إلى رموز هيروغليفية تعني الحماية، في مشهد يوحي بأنها تقف حارسةً على أمن البيت المصري، تبعد الأرواح الشريرة وتمنح الطمأنينة للأمهات خلال لحظات الحمل والولادة وتربية الأطفال.
وعند التمعن في قاعدة التمثال وعمود الظهر، تظهر أبعاد دينية وسياسية أعمق؛ فقد نُقش اسم «تاورت» الذي يعني «العظيمة»، إلى جانب اسم «ريرت» وهو لقب يرتبط بالإلهة نوت ربة السماء، ما يعزز مكانتها كأم روحية وحامية كونية.
كما يحمل عمود الظهر نصًا تذكاريًا يطلب الحماية للأميرة ” نيتوكريس ” ابنة الملك بسماتيك الأول، في دلالة واضحة على مدى تقديس العائلة الملكية لهذه الإلهة وسعيها لنيل بركتها خلال فترة شهدت محاولة استعادة أمجاد الحضارة المصرية القديمة.
ويصنع التمثال من حجر الشست، وهو ما يعكس مستوى الإتقان الفني الذي بلغه الفن المصري حتى في العصور المتأخرة، حيث استطاع الفنانون تحويل المفاهيم الروحية المعقدة إلى أعمال فنية مهيبة ما تزال شاهدة على عبقرية الحضارة المصرية حتى اليوم


تعليقات 0