ذكرى ميلاد نجيب الريحاني.. الضاحك الباكي وصانع الكوميديا الإنسانية في مصر

يوافق اليوم 21 يناير ذكرى ميلاد الفنان الكبير نجيب الريحاني، أحد أبرز مؤسسي المسرح الكوميدي في مصر والعالم العربي، والذي ما زالت بصمته الفنية حاضرة بقوة رغم مرور أكثر من سبعين عامًا على رحيله، بفضل أعماله التي جمعت بين السخرية العميقة والبعد الإنساني الصادق.
وُلد نجيب إلياس ريحانة في 21 يناير عام 1889 بحي باب الشعرية بالقاهرة، لأسرة بسيطة؛ فوالده عراقي مسيحي يعمل في تجارة الخيول، ووالدته مصرية قبطية، وهي النشأة التي أسهمت في تشكيل وعيه الاجتماعي، وانعكست لاحقًا في اختياراته الفنية وانحيازه الدائم للإنسان البسيط.
التحق الريحاني بمدرسة الفرير الفرنسية، حيث بدأ شغفه المبكر بالتمثيل والأدب، وتأثر بشكل واضح بالأدب الفرنسي إلى جانب الشعر العربي. وبعد تخرجه، عمل في وظائف بعيدة عن المجال الفني، من بينها البنك الزراعي وإحدى شركات السكر في صعيد مصر، إلا أن تعلقه بالمسرح دفعه في النهاية إلى ترك الوظيفة والتفرغ للفن، ليبدأ مشواره الحقيقي على خشبة المسرح.
وجاءت انطلاقته الفعلية عندما أسس فرقته المسرحية بالتعاون مع الكاتب بديع خيري، حيث قدما معًا شكلًا جديدًا من الكوميديا يقوم على النقد الاجتماعي والسخرية من الأوضاع السياسية والطبقية، بلغة بسيطة وقريبة من الجمهور، ما جعلهما يحققان نجاحًا واسعًا.
واشتهر الريحاني بابتكاره لشخصية «كشكش بيه»، التي أصبحت علامة فارقة في تاريخه الفني، وجسدت نموذج الإقطاعي الساذج بأسلوب ساخر، عكس من خلاله قضايا المجتمع وهموم الناس، وجعل الجمهور يرى واقعه اليومي منعكسًا على خشبة المسرح.
وخلال مسيرته، قدم نجيب الريحاني عشرات المسرحيات الناجحة، ويُقدَّر رصيده المسرحي بأكثر من 80 عملًا، من أبرزها «30 يوم في السجن» و«الدلوعة»، والتي أسست لملامح المسرح الكوميدي الحديث في مصر.
كما انتقل إلى السينما وحقق نجاحًا كبيرًا، وشارك في عدد من الأفلام الخالدة مثل «سلامة في خير» و«لعبة الست» و«غزل البنات»، الذي يُعد آخر أفلامه وأكثرها شهرة، وشاركه بطولته نخبة من النجوم، من بينهم ليلى مراد وأنور وجدي.
واتسم أسلوب الريحاني بالكوميديا الإنسانية التي تمزج بين الضحك والألم، وهو ما جعله يُلقب بـ«الضاحك الباكي»، إذ لم يكن هدفه الإضحاك فقط، بل كشف تناقضات المجتمع والدفاع عن الفئات البسيطة والمهمشة، حتى شبّهه النقاد بتشارلي شابلن من حيث العمق الإنساني والتأثير الاجتماعي.
وعلى المستوى الشخصي، تزوج نجيب الريحاني أكثر من مرة، وكان من أشهر زيجاته زواجه من الفنانة والراقصة بديعة مصابني، وهي تجربة لم تستمر طويلًا وشهدت خلافات عديدة.
كما تزوج من سيدة فرنسية تُدعى لوسي دي فيرناي، وأنجب منها ابنته الوحيدة جينا، التي عاشت خارج مصر، وسعت فيما بعد إلى الحفاظ على تراث والدها الفني.
ورحل نجيب الريحاني عن عالمنا في 8 يونيو عام 1949، عن عمر ناهز 60 عامًا، متأثرًا بمضاعفات إصابته بمرض التيفود، وذلك أثناء تصوير فيلمه الأخير «غزل البنات»، ليغادر الحياة وهو في قمة عطائه الفني.


تعليقات 0