16 أكتوبر 2026 14:57
سيناء الإخبارية
سيناء الإخبارية

إيران أمام اختبار متعدد الجبهات.. إلى أين يتجه الصراع مع واشنطن وإسرائيل؟

النووي والاقتصاد وحرب الاستنزاف ترسم ملامح المرحلة المقبلة

ترامب إيران أمريكا إسرائيل
ترامب إيران أمريكا إسرائيل

يدخل الملف الإيراني مرحلة شديدة التعقيد مع تداخل المسارات العسكرية والنووية والاقتصادية والدبلوماسية، في وقت تبدو فيه فرص العودة السريعة إلى طاولة التفاوض محدودة، بينما تتزايد الضغوط الأميركية على طهران، ويتصاعد القلق الدولي بشأن مصير برنامجها النووي وقدرتها على إعادة بناء قدراتها الصاروخية.

وبعد نحو ستة أشهر على بدء المواجهة العسكرية بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم تنجح الترتيبات التي جرى التوصل إليها في يونيو الماضي في تثبيت وقف مستدام للقتال أو فتح مسار تفاوضي قادر على تسوية الملفات الرئيسية، فيما عادت الضربات المتبادلة خلال الأسابيع الأخيرة إلى الواجهة.

ويبدو أن واشنطن باتت تراهن بصورة متزايدة على الجمع بين الضغط العسكري والخنق الاقتصادي لإجبار طهران على تقديم تنازلات، خصوصًا في الملف النووي وملف الصواريخ والأنشطة الإقليمية، بينما تتعامل القيادة الإيرانية مع الضغوط باعتبارها محاولة لإجبارها على تغيير سلوكها بالقوة، وهو ما ترفضه حتى الآن.

على المستوى النووي، شهد الملف تطورًا بالغ الأهمية هذا الأسبوع، بعدما أقر مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قرارًا بإحالة ملف إيران إلى مجلس الأمن الدولي بسبب ما اعتبره عدم امتثال لالتزامات عدم الانتشار. ويكتسب القرار أهمية خاصة لأنه يأتي بعد نحو 20 عامًا من آخر قرار مماثل من المجلس، كما صوتت 23 دولة لصالحه، بينما عارضته روسيا والصين والنيجر.

وتتمثل المشكلة الأساسية في تراجع قدرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية على التحقق بصورة كاملة من وضع المواد والمنشآت النووية الإيرانية. وكان المدير العام للوكالة رافائيل جروسي قد أكد أن طهران لم تقدم خلال الفترة الأخيرة المعلومات المطلوبة بشأن وضع المواد النووية المعلنة والمنشآت المرتبطة بها، بينما لم يتمكن مفتشو الوكالة من إجراء عمليات تحقق ميدانية في المواقع الأساسية.

وتزداد حساسية هذا الملف بسبب الضربات العسكرية التي تعرضت لها منشآت نووية إيرانية، وما ترتب عليها من فقدان الوكالة جزءًا مهمًا من استمرارية معرفتها بمخزونات المواد النووية الموجودة في المنشآت المتضررة. وتقول وثائق الأمم المتحدة إن الوكالة فقدت القدرة على التحقق من المخزونات في عدد من المنشآت المتضررة، بما في ذلك منشآت التخصيب المعلنة.

ومن هنا، فإن جوهر الأزمة النووية لم يعد مرتبطًا فقط بمستوى التخصيب الذي تستطيع إيران الوصول إليه، وإنما أصبح مرتبطًا أيضًا بالسؤال الأكثر إلحاحًا: ما الذي تستطيع الوكالة الدولية التأكد منه فعليًا بشأن المواد والمنشآت والقدرات النووية الإيرانية بعد الضربات وفقدان الوصول الكامل إليها؟

في المقابل، تصر طهران على أن برنامجها النووي ذو طبيعة سلمية، وترفض ما تعتبره ضغوطًا سياسية غربية، فيما اعتبر مسؤولون إيرانيون أن الإجراءات الأخيرة للوكالة قد تؤدي إلى تداعيات خطيرة على منظومة عدم الانتشار نفسها. وقالت إيران إن تصعيد المسار داخل الوكالة قد يدفع دولًا أخرى إلى إعادة النظر في التزاماتها بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

أما عسكريًا، فالمشهد لا يشير إلى انتهاء القدرة الإيرانية على الرد. فمع تعرض البنية العسكرية والمنشآت الصاروخية لأضرار واسعة، تشير تقارير استخباراتية حديثة إلى أن إيران بدأت بالفعل في إعادة تشغيل بعض خطوط إنتاج الصواريخ الباليستية، مستفيدة من مخزونات مكونات ومنشآت تحت الأرض، وإن كان ذلك بوتيرة أقل من السابق بسبب الأضرار التي لحقت بالبنية الصناعية.

وهذه النقطة تحمل دلالة استراتيجية مهمة؛ إذ إن الضربات العسكرية قد تكون قادرة على إلحاق أضرار كبيرة بالبنية التحتية الإيرانية، لكنها لا تضمن بالضرورة القضاء على القدرة الصاروخية نفسها، خصوصًا مع اعتماد طهران على منشآت موزعة ومحصنة تحت الأرض، فضلًا عن وجود مخزون سابق من الصواريخ والمكونات.

وفي المقابل، يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب توجيه تحذيرات مباشرة إلى إيران، كان أحدثها التحذير من النشاط في منطقة جبل بيك أكس قرب منشأة نطنز، وهي منطقة تضم مجمعات أنفاق محصنة، وتقول واشنطن إنها قد تمثل جزءًا من البنية التي يمكن أن تستخدمها إيران لحماية قدراتها النووية.

اقتصاديًا، تبدو الضغوط أكثر وضوحًا. فقد نجحت الولايات المتحدة في تضييق قدرة إيران على تصدير النفط، خصوصًا عبر الإجراءات البحرية والعقوبات المشددة على شبكات الالتفاف على العقوبات. وتشير بيانات نقلتها رويترز إلى أن تحميلات الخام الإيراني تراجعت من نحو مليوني برميل يوميًا في مارس إلى ما بين 220 ألفًا و255 ألف برميل يوميًا في أغسطس.

ويمثل هذا التطور ضربة قوية للاقتصاد الإيراني، لأن النفط يشكل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للحكومة، كما أن تراجع الإيرادات النفطية يضع ضغوطًا إضافية على العملة المحلية والأسعار والقدرة على تمويل الواردات.

وتسعى طهران في المقابل إلى إيجاد مسارات بديلة للحفاظ على تجارتها الخارجية. وكشفت تقارير حديثة عن استخدام ترتيبات تجارية ومالية غير تقليدية مع الصين، بينها آليات مقايضة تسمح بتبادل النفط الإيراني مقابل واردات صينية، بعيدًا عن النظام المصرفي التقليدي الخاضع للعقوبات الأميركية.

كما بدأت إيران في توسيع الاعتماد على العملات المشفرة لتسهيل بعض عمليات التجارة والتحويلات الخارجية، في محاولة لتجاوز القيود المفروضة على وصولها إلى النظام المالي الدولي. ويعكس ذلك تحولًا من مجرد التحايل على العقوبات إلى بناء قنوات مالية موازية، وإن كانت هذه الأدوات لا تستطيع تعويض النظام المصرفي التقليدي بصورة كاملة.

وفي واشنطن، لا يبدو أن سياسة الضغط الاقتصادي تتجه إلى التراجع. فقد كثفت وزارة الخزانة الأميركية خلال سبتمبر إجراءاتها ضد الشبكات المرتبطة بإيران، وفرضت عقوبات جديدة على قطاعات وشركات ووسطاء يساعدون طهران على الوصول إلى الأموال أو المعدات أو الخدمات. وفي 8 سبتمبر وحده، استهدفت العقوبات الأميركية 36 جهة مرتبطة بقطاع الطيران الإيراني، إلى جانب شركات ووسطاء ومسارات تجارية تستخدمها طهران للحصول على طائرات وتقنيات ومعدات حساسة.

وفي 10 سبتمبر، اتسع نطاق الضغط ليشمل شبكات في العراق والإمارات ولبنان وتركيا مرتبطة بتمويل جماعات متحالفة مع إيران، في إطار استراتيجية أميركية تستهدف ليس فقط الدولة الإيرانية، وإنما شبكة التمويل الإقليمية المرتبطة بالحرس الثوري وحلفائه.

ويشكل مضيق هرمز بدوره واحدة من أخطر أوراق الضغط المتبادلة. فطهران تدرك أن المضيق يمثل نقطة اختناق حيوية لحركة الطاقة العالمية، بينما تحاول الولايات المتحدة إبقاء حركة الملاحة مفتوحة عبر وجودها البحري وتشديد الرقابة على صادرات النفط الإيرانية.

وقد أعلنت إيران خلال الأيام الأخيرة اعتزامها إنشاء منطقة بحرية مقيدة في الخليج، مع تحذيرات بأن السفن التي تدخل المنطقة قد تواجه إجراءات عقابية. ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه حركة النفط عبر المضيق تحت تأثير المواجهة والقيود البحرية المتبادلة.

لكن ورقة هرمز، رغم قوتها، ليست بلا حدود. فاستمرار الضغط على الملاحة يضر إيران نفسها، كما يدفع الدول المستوردة للطاقة إلى البحث عن مسارات بديلة، ويمنح الولايات المتحدة وحلفاءها مبررًا لتعزيز الانتشار البحري في المنطقة. وتشير تحليلات حديثة إلى أن قدرة إيران على استخدام المضيق كورقة ضغط مطلقة تراجعت مع تكيف الأسواق وظهور بدائل جزئية لنقل الطاقة.

داخليًا، بدأت الأزمة الاقتصادية تتحول إلى تحد سياسي للحكومة الإيرانية. فقد تحدث رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف عن مشكلات تتعلق بتذبذب العملة والتضخم والبطالة وإدارة السوق، مؤكدًا أن المواجهة لم تعد عسكرية فقط، وإنما أصبحت أيضًا معركة تتعلق بالإنتاج ومستوى معيشة المواطنين.

وفي المقابل، تحاول الحكومة الإيرانية تقديم الأزمة باعتبارها معركة استقلال اقتصادي، إذ قال وزير الاقتصاد علي مدني زاده إن مسؤولية إصلاح الاقتصاد تقع على عاتق الحكومة والمجتمع الإيرانيين، وليس الولايات المتحدة، في رسالة تهدف إلى نزع أثر العقوبات سياسيًا وتحميل الإدارة الإيرانية مسؤولية الإصلاح الداخلي.

وبذلك تتجمع أمام طهران ثلاثة ضغوط متزامنة: تراجع الإيرادات النفطية، صعوبة الوصول إلى النظام المالي العالمي، وارتفاع تكلفة إعادة بناء القدرات العسكرية والنووية. وفي الوقت نفسه، لا تظهر مؤشرات على استعداد القيادة الإيرانية لتقديم تنازلات واسعة تحت الضغط، ما يعني أن الأزمة مرشحة للاستمرار بدلًا من الوصول إلى تسوية سريعة.

أما المسار الدبلوماسي، فيبدو حاليًا هو الحلقة الأضعف. فالمسار الذي فتحته وساطات إقليمية خلال الصيف لم يتحول إلى مفاوضات مستقرة حول اتفاق نووي جديد، فيما تحدث مسؤولون أميركيون عن احتمال عدم التوصل إلى اتفاق في ظل الظروف الحالية، مع استمرار التلويح بالخيار العسكري لمنع إيران من تطوير سلاح نووي.

وتكشف التطورات الأخيرة أن واشنطن لا تتعامل مع الملف الإيراني باعتباره أزمة نووية منفصلة، وإنما كحزمة واحدة تشمل التخصيب، والصواريخ الباليستية، وتمويل الجماعات الحليفة لطهران، والنفط، والملاحة في الخليج. وفي المقابل، تنظر إيران إلى هذه الملفات باعتبارها عناصر مترابطة في صراع أوسع على مستقبل نفوذها الإقليمي وقدرتها على الردع.

وبناءً على المعطيات الحالية، تبدو السيناريوهات الثلاثة الأكثر احتمالًا هي استمرار حرب الاستنزاف والضغط المتبادل لفترة أطول، أو العودة إلى مفاوضات غير مباشرة تفرضها الكلفة الاقتصادية والعسكرية على الطرفين، أو حدوث جولة تصعيد جديدة إذا فشلت الاتصالات السياسية في وضع حدود واضحة للعمليات العسكرية.

ويبقى الملف النووي هو نقطة الالتقاء بين هذه المسارات جميعًا. فإذا تمكنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية من استعادة قدر كاف من الوصول والتحقق، فقد يصبح ذلك مدخلًا لإعادة بناء الثقة وفتح مفاوضات جديدة. أما استمرار فجوة المعلومات بشأن المنشآت والمخزونات، بالتزامن مع إعادة بناء القدرات الصاروخية وتشديد العقوبات، فيعني أن الأزمة ستظل قابلة للانفجار في أي لحظة.

وفي المحصلة، لم تعد المعادلة الإيرانية تدور فقط حول سؤال امتلاك القدرة النووية من عدمه، وإنما حول قدرة طهران على الصمود اقتصاديًا وعسكريًا، وقدرة واشنطن على الحفاظ على ضغطها دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، ومدى استعداد إسرائيل لمواصلة استهداف القدرات الإيرانية، وقدرة الوسطاء على إعادة فتح قناة تفاوضية قبل أن تتحول الضغوط المتراكمة إلى مواجهة أوسع.

والأرجح أن المرحلة المقبلة ستشهد اختبارًا حقيقيًا لحدود سياسة الضغط الأميركية: هل تستطيع العقوبات والحصار النفطي دفع إيران إلى اتفاق جديد، أم أن الضغوط ستدفعها إلى مزيد من التحصين وإعادة بناء قدراتها تحت الأرض، بما يجعل الملف النووي أكثر تعقيدًا بدلًا من حسمه؟