13 أكتوبر 2026 01:01
سيناء الإخبارية
سيناء الإخبارية

بريطانيا تستدعي المحاربين القدامى وتستعد عسكريا.. ما السبب؟

مناورات واسعة وتخزين احتياجات أساسية وبرنامج عسكري للشباب

تتحرك بريطانيا نحو إعادة ترتيب مفهوم الاستعداد الوطني لمواجهة الأزمات، في ظل تصاعد المخاوف المرتبطة بالتهديدات الأمنية والظواهر المناخية القاسية، عبر إجراءات تجمع بين رفع الجاهزية العسكرية وتعزيز قدرة المجتمع على التعامل مع حالات الطوارئ.

وتتضمن الخطط البريطانية إجراء مناورة عسكرية واسعة العام المقبل، يشارك فيها عدد من المحاربين القدامى، بهدف اختبار قدرة مؤسسات الدولة والقوات المسلحة على التعامل مع سيناريوهات الحرب والأزمات الكبرى، بالتوازي مع تحركات لرفع وعي المواطنين وتشجيعهم على الاحتفاظ ببعض الاحتياجات الأساسية تحسبًا للطوارئ.

وبحسب هيئة الإذاعة البريطانية، فإن المناورة المرتقبة ستشمل مشاركة عدد لم يحدد بعد من أفراد الاحتياط الاستراتيجي للجيش البريطاني، وهي قوة تضم ما يقدر بنحو 95 ألف ضابط من المتقاعدين عن الخدمة النظامية والاحتياطية.

وتسعى وزارة الدفاع البريطانية من خلال هذه الخطوة إلى إحداث تحول كبير في طريقة الاستفادة من قوات الاحتياط الاستراتيجي، خصوصًا في ظل التحذيرات المتعلقة بأزمة الاحتفاظ بالقوى البشرية داخل المؤسسة العسكرية.

وقالت وزيرة القوات المسلحة لويز ساندير جونز إن المناورة الحكومية ستختبر قدرة وزارة الدفاع على التعامل مع النزاعات المسلحة على نطاق واسع، وبمستوى لم تشهده بريطانيا منذ فترة طويلة.

وأوضحت أن تدريب عام 2027 سيشمل إجراءات استدعاء القوات المتقاعدة واستخدامها وتجهيزها على نطاق واسع، بما يسمح باختبار مدى قدرة النظام البريطاني على إعادة دمج هذه العناصر والاستفادة منها عند الحاجة.

وللمفارقة، فإن الوزيرة نفسها تنتمي إلى قوات الاحتياط الاستراتيجية، بعدما خدمت سابقًا في الجيش البريطاني كضابطة استخبارات قبل دخولها البرلمان.

وأشارت ساندير جونز إلى أنها عندما غادرت الخدمة العسكرية علمت بانضمامها إلى الاحتياط الاستراتيجي، لكنها لم تتعامل مع الأمر في ذلك الوقت باعتباره التزامًا فعليًا، مؤكدة أن الوضع تغير وأن الاحتياط أصبح يمثل التزامًا حقيقيًا بالنسبة إلى أفراده.

وتأتي هذه التحركات بعد تحذير رئيس أركان الدفاع، المارشال الجوي السير ريتشارد نايتون، في يناير الماضي، من عدم وجود نظام فعال لإشراك أفراد الاحتياط الاستراتيجي والاستفادة منهم عند الضرورة.

وفي وقت سابق من العام الحالي، اتخذت الحكومة البريطانية خطوات لتوسيع قاعدة هذه القوة، إذ رفعت الحد الأقصى لسن الانضمام إلى الاحتياط الاستراتيجي، الذي يضم أفرادًا من الجيش والبحرية والقوات الجوية الملكية، من 55 إلى 65 عامًا، كما خفضت العتبة الخاصة باستدعائهم للخدمة.

وتتزامن هذه الإجراءات مع ضغوط متزايدة على الحكومة البريطانية لرفع الإنفاق الدفاعي إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية العقد، مقارنة بنحو 2.4% في العام الماضي وفق إحصاءات حلف شمال الأطلسي.

ولا تقتصر الاستعدادات البريطانية على الجانب العسكري، إذ تستعد الحكومة لإطلاق حملة توعية واسعة خلال الأشهر المقبلة بهدف رفع مستوى استعداد المواطنين للتعامل مع حالات الطوارئ المختلفة.

وتشمل التوجيهات المطروحة الاحتفاظ بمؤن أساسية، من بينها الأطعمة المعلبة والمياه المعبأة، تحسبًا لظروف استثنائية قد تنتج عن موجات الطقس القاسية أو الهجمات الإلكترونية وغيرها من الأزمات التي يمكن أن تؤثر في الحياة اليومية.

ويأتي البعد المناخي في صدارة المخاطر التي تستعد بريطانيا للتعامل معها، خصوصًا مع التحذيرات المتعلقة بظاهرة النينيو وتأثيراتها المحتملة على أنماط الطقس العالمية.

وكانت وزيرة البيئة البريطانية أنجيلا إيجل قد دعت المواطنين إلى الاحتفاظ بكميات كافية من الطعام تحسبًا لما وصف بأنه أكبر ظاهرة نينيو مسجلة على الإطلاق، في ظل توقعات باشتدادها خلال الأشهر المقبلة.

وجاءت الدعوة بعد تحذيرات للحكومة من ضرورة الاستعداد لاحتمال حدوث نقص في الغذاء، فيما يرى خبراء الأرصاد أن الظاهرة المناخية، التي قد ترفع مخاطر الجفاف والفيضانات في مناطق مختلفة من العالم، تستحق التعامل معها بجدية داخل بريطانيا أيضًا.

وتحاول لندن في هذا السياق توسيع مفهوم الأمن الوطني ليشمل قدرة المجتمع على الصمود أمام أزمات لا ترتبط بالضرورة بنشوب حرب مباشرة، سواء كانت اضطرابات في سلاسل الإمداد أو كوارث مناخية أو هجمات إلكترونية.

وفي هذا الإطار، لفتت ساندير جونز إلى التجربة الفنلندية، ووصفت فنلندا بأنها نموذج يمكن لبريطانيا الاستفادة منه في مجال الجاهزية الوطنية.

وأشادت بمناورة للدفاع المدني نفذتها فنلندا، ووصفتها بأنها أكبر مناورة من نوعها في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، وشارك فيها أكثر من 2000 شخص داخل صالة رياضية تقع تحت الأرض.

ولا تتوقف الرؤية البريطانية عند القوات الحالية أو المحاربين القدامى، إذ ترى وزيرة القوات المسلحة أن الشباب سيكونون عنصرًا مهمًا في تعزيز جاهزية الجيش لمواجهة التهديدات المستقبلية.

ومن بين الأفكار المطروحة توسيع برنامج “سنة استراحة عسكرية” المخصص للشباب الذين تقل أعمارهم عن 25 عامًا، وهو البرنامج الذي أعلنت عنه الحكومة في ديسمبر، ويستقبل حاليًا أول دفعة تضم 150 طالبًا حتى مارس 2027.

وألمحت ساندير جونز إلى إمكانية تسريع توسيع البرنامج إذا أثبت نجاحه، بما يفتح الباب أمام إشراك أعداد أكبر من الشباب في مسارات مرتبطة بالتدريب والانضباط والاستعداد للخدمة.

وترى الوزيرة كذلك أن المؤسسة العسكرية يمكن أن تؤدي دورًا في مواجهة ظاهرة الشباب الذين لا يعملون ولا يدرسون ولا يخضعون للتدريب، والمعروفة رسميًا باسم NEETs، والتي تشمل واحدًا من كل ثمانية شباب في المملكة المتحدة.

وفي هذا السياق، تحدثت عن إمكانية توسيع نطاق الطلاب العسكريين داخل المدارس، باعتبار ذلك أحد المسارات التي يمكن أن تربط بين تنمية مهارات الشباب وتعزيز جاهزية المجتمع.

وتكشف مجمل هذه التحركات عن توجه بريطاني نحو بناء منظومة استعداد أكثر اتساعًا، لا تعتمد فقط على القوات العاملة، وإنما تشمل الاحتياط والمتقاعدين والشباب والمواطنين، مع وضع احتمالات الحرب والهجمات الإلكترونية والكوارث المناخية ونقص الإمدادات ضمن سيناريوهات يجري الاستعداد لها مسبقًا.