6 سبتمبر 2026 01:16
سيناء الإخبارية
سيناء الإخبارية

بعد فاجعة أسرة التجمع.. مايا مرسي تضع جرائم الأقارب تحت المجهر: «الثقة الواعية» في مواجهة الرعب المجتمعي

أعادت الجرائم العنيفة التي تقع داخل دوائر العلاقات القريبة، سواء بين أفراد الأسرة أو الأقارب أو الأصدقاء، ملف الأمان داخل العلاقات الإنسانية إلى صدارة النقاش المجتمعي، خاصة مع تزايد تداول تفاصيل هذه الوقائع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وما يصاحبها من حالة واسعة من القلق والخوف.

 

وفي محاولة للتمييز بين التكرار اللافت لبعض الجرائم وبين توصيفها علميًا كظاهرة اجتماعية، قدمت الدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي، قراءة اجتماعية ونفسية لطبيعة هذه الوقائع، محذرة في الوقت نفسه من تأثير التغطية المكثفة لمنصات التواصل الاجتماعي في تشكيل تصور عام قد لا يتطابق بالضرورة مع المؤشرات العلمية لمعدلات الجريمة.

 

هل أصبحت جرائم الأقارب ظاهرة في مصر؟

 

أكدت مايا مرسي أن تكرار بعض الجرائم داخل دوائر الأقارب والأصدقاء لا يعني تلقائيًا تحولها إلى «ظاهرة اجتماعية» بالمعنى العلمي الدقيق.

 

وأوضحت أن إطلاق وصف «الظاهرة» على سلوك إجرامي يتطلب توافر مجموعة من المعايير، أبرزها ارتفاع معدلات حدوثه بصورة واضحة ومستقرة، وانتشاره على نطاق واسع بين قطاعات مختلفة من المجتمع، واستمراره بشكل منهجي وليس في صورة وقائع فردية متفرقة.

 

وبحسب القراءة التي طرحتها وزيرة التضامن، فإن التعامل مع الجرائم الأخيرة يجب أن يستند إلى البيانات والتحليل العلمي، بعيدًا عن الانطباعات التي قد تتشكل نتيجة تتابع الأخبار والحوادث عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية.

 

السوشيال ميديا.. لماذا يبدو الخطر أكبر؟

 

لفتت وزيرة التضامن إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه مواقع التواصل الاجتماعي في تضخيم الإحساس بالخطر، نتيجة سرعة انتشار الأخبار والصور ومقاطع الفيديو المتعلقة بالجرائم.

 

ومع تعرض المستخدم بشكل متكرر لتفاصيل جرائم عنيفة، قد يتولد لديه شعور بأن هذه الوقائع تحدث في كل مكان وبمعدلات متزايدة، حتى وإن كانت البيانات الإحصائية لا تعكس بالضرورة الصورة نفسها.

 

وأشارت إلى مفهوم «الرعب المجتمعي» أو Social Panic، الذي يصف حالة الخوف الجماعي الناتجة عن التفاعل المكثف مع أخبار وقضايا معينة، بما قد يجعل الوقائع الفردية تبدو وكأنها نمط إجرامي شامل.

 

لماذا تكون جريمة القريب أكثر صدمة؟

 

وتختلف الجرائم التي يرتكبها شخص من داخل دائرة الثقة عن الجرائم التي يرتكبها مجهول، ليس فقط بسبب طبيعة الجريمة، وإنما أيضًا بسبب العلاقة التي كانت قائمة بين الجاني والضحية.

 

وأوضحت مايا مرسي أن القريب أو الصديق قد يمتلك معلومات تفصيلية عن حياة الضحية وتحركاتها وعاداتها والأماكن التي تتردد عليها، فضلًا عن أن العلاقة السابقة قد تقلل من مستوى الشك والحذر.

 

وفي بعض الحالات، يمكن أن تتحول هذه المعرفة إلى وسيلة لاستغلال الثقة والوصول إلى الضحية أو استدراجها، وهو ما يزيد من الأثر النفسي والاجتماعي للجريمة على الأسرة والمجتمع.

 

«الثقة الواعية».. لا تعني الشك في الجميع

 

طرحت وزيرة التضامن مفهوم «الثقة الواعية» Mindful Trust باعتباره أحد المداخل المهمة للتعامل مع مخاطر العلاقات القريبة.

 

ولا يعني هذا المفهوم، بحسب الطرح، قطع العلاقات الأسرية أو التعامل مع الأقارب والأصدقاء باعتبارهم مصدر خطر، وإنما يقوم على تحقيق توازن بين الثقة الإنسانية والوعي بقواعد السلامة الشخصية.

 

فالعلاقة القوية لا تعني بالضرورة إلغاء الحدود الشخصية، كما أن صلة القرابة أو الصداقة لا ينبغي أن تمنع الإنسان من الانتباه إلى السلوكيات غير الطبيعية أو المواقف التي تستدعي الحذر.

 

الوعي بالأمان لا يعني العيش في خوف

 

وشددت مايا مرسي على أهمية الفصل بين الحذر الصحي وبين الخوف المفرط، مؤكدة أن بناء الوعي المجتمعي لا يستهدف تحويل العلاقات الإنسانية إلى دوائر من الشك المستمر.

 

فالهدف هو امتلاك قدر من الوعي والحرص يسمح بالتعامل مع المخاطر المحتملة دون الوصول إلى العزلة أو فقدان الثقة في المجتمع.

 

وتتطلب هذه المعادلة، بحسب الرؤية المطروحة، الحفاظ على العلاقات الإنسانية وصلة الرحم، بالتوازي مع احترام الحدود الشخصية وعدم تجاهل المؤشرات التي قد تستدعي التدخل أو طلب المساعدة.

 

دراسة من «البحوث الاجتماعية والجنائية»

 

وكشفت وزيرة التضامن الاجتماعي أن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أعد دراسة تناولت عددًا من الجرائم البارزة التي اتسمت بخصائص مختلفة عن الأنماط المعتادة.

 

وبحسب ما أوضحته، خلصت الدراسة إلى التعامل مع هذه الوقائع باعتبارها حوادث فردية، وليس ظاهرة اجتماعية مكتملة الأركان وفق المعايير العلمية.

 

ويواصل المركز إجراء الدراسات المتخصصة لتحليل أسباب هذه الجرائم، والعوامل النفسية والاجتماعية المرتبطة بها، فضلًا عن بحث تأثيراتها على الأسرة والمجتمع.

 

البحث العلمي في مواجهة القلق المجتمعي

 

وتبرز أهمية هذه الدراسات في محاولة الانتقال من ردود الفعل المرتبطة بكل حادثة على حدة إلى فهم أعمق للأسباب التي تقف وراء الجرائم داخل دوائر العلاقات القريبة.

 

كما تستهدف الدراسات تقديم رؤى وحلول يمكن البناء عليها بالتعاون مع الجهات المعنية، بما يدعم جهود الوقاية من الجريمة، ويحافظ على استقرار الأسرة، ويعزز الوعي المجتمعي دون نشر حالة عامة من الخوف.

 

وفي النهاية، تطرح قراءة وزيرة التضامن معادلة واضحة: لا إنكار لمخاطر الجرائم العنيفة، ولا مبالغة في توصيفها، وإنما مواجهة تستند إلى الأرقام والبحث العلمي، مع تعزيز مفهوم «الثقة الواعية» باعتباره مساحة وسطى بين الثقة العمياء والخوف من الجميع.