ثورة “الذهب الأخضر” في مصر.. من القمامة إلى الاستثمار: قانون جديد يفتح أبواب الاقتصاد الدائري ويحوّل المخلفات إلى مصانع وأرباح وفرص عمل
من عبء بيئي إلى ثروة اقتصادية.. تغيير جذري في فلسفة إدارة المخلفات

تشهد مصر تحولًا كبيرًا في طريقة التعامل مع ملف المخلفات، بعدما انتقلت النظرة التقليدية للقمامة باعتبارها أزمة خدمية وصحية، إلى اعتبارها موردًا اقتصاديًا يحمل فرصًا استثمارية واعدة.
ويأتي هذا التحول في إطار تطبيق قانون إدارة المخلفات رقم 202، الذي أعاد رسم خريطة القطاع بالكامل، وفتح المجال أمام القطاع الخاص ورواد الأعمال للدخول في منظومة الاقتصاد الدائري، حيث تتحول النفايات إلى مواد خام تدخل في صناعات متعددة.
“الذهب الأخضر”.. رؤية جديدة للاقتصاد البيئي
تسعى وزارة التنمية المحلية والبيئة إلى ترسيخ مفهوم جديد للمخلفات باعتبارها “الذهب الأخضر”، القادر على خلق فرص عمل وتقليل فاتورة الاستيراد من المواد الخام، إلى جانب الحد من التلوث البيئي.
ويهدف القانون الجديد إلى تحويل إدارة القمامة من نشاط تقليدي إلى صناعة قائمة بذاتها، تعتمد على الاستثمار والتدوير والتصنيع.
مصانع من القمامة.. البلاستيك يتحول إلى قماش ووقود
في مناطق صناعية مثل العاشر من رمضان وشرق بورسعيد، برزت نماذج لشركات شبابية نجحت في تحويل المخلفات البلاستيكية إلى حبيبات تدخل في صناعة السجاد والملابس المصنوعة من البوليستر.
كما ظهرت مشروعات أخرى تعتمد على إنتاج الوقود البديل من المخلفات، والذي يُستخدم في مصانع الأسمنت كبديل للفحم والمازوت، ما يقلل من التكلفة الاقتصادية ويعزز الاستدامة البيئية.
ويقول أحد المستثمرين الشباب إن المخلفات لم تعد مشكلة، بل أصبحت “مادة خام مستمرة” تدر أرباحًا وتقلل الاعتماد على الاستيراد.
تحديات على الأرض.. “النباشون” وفرز القمامة
رغم التطور التشريعي، لا تزال هناك تحديات تواجه المنظومة، أبرزها ظاهرة النباشين غير الرسميين الذين يقومون بفرز المخلفات بشكل عشوائي، مما يقلل من قيمتها الاقتصادية.
وتعمل الدولة على دمج هذه الفئة داخل المنظومة الرسمية عبر توفير وظائف وتأمينات ووسائل حماية، بما يحول النشاط من عشوائي إلى منظم داخل شركات معتمدة.
جهاز تنظيم المخلفات.. “مايسترو” السوق الجديد
أنشأت الدولة جهاز تنظيم إدارة المخلفات (WMRA) ليكون الجهة المسؤولة عن منح التراخيص ومتابعة الأداء، وضبط السوق وفق معايير واضحة تعتمد على مؤشرات قياس الجودة (KPIs).
كما تم إقرار عقود طويلة الأجل تصل إلى 10 و15 عامًا، ما يمنح المستثمرين استقرارًا ماليًا ويساعدهم على التوسع وشراء معدات حديثة وتمويل عمليات التشغيل.
تأسيس شركات تدوير.. فرص مفتوحة للشباب
أصبح بإمكان الشباب تأسيس شركات لجمع وتدوير المخلفات عبر تصنيفات مرنة (فئة أ، ب، ج)، تتيح البدء بمشروعات صغيرة في أحياء محددة أو التخصص في المخلفات التجارية مثل المطاعم والمولات.
كما توفر الدولة دعمًا فنيًا وبرامج تدريب على الفرز من المصدر، مع توقعات بعوائد قد تتجاوز 30% سنويًا في بعض الأنشطة.
المخلفات الإلكترونية.. ذهب مخفي داخل الأجهزة القديمة
يشهد قطاع تدوير المخلفات الإلكترونية نموًا ملحوظًا، حيث تحتوي الهواتف القديمة وأجهزة الكمبيوتر على معادن ثمينة مثل الذهب والنحاس والبلاتين.
ويشير خبراء إلى أن الطن الواحد من المخلفات الإلكترونية قد يساوي أضعاف قيمة المواد الخام التقليدية، ما يجعله قطاعًا واعدًا للاستثمار والتصدير.
منصة “E-Tadweer”.. تنظيم سوق التدوير الذكي
أطلقت الدولة منصات رقمية لتنظيم عمليات إعادة التدوير، من بينها منصة “E-Tadweer”، التي تهدف إلى ربط المستثمرين بمصادر المخلفات وتسهيل إنشاء المصانع المتخصصة في استخلاص المعادن وإعادة استخدامها.
حوافز استثمارية وتمويل منخفض الفائدة
ضمن دعم الاقتصاد الأخضر، تم إدراج مشروعات تدوير المخلفات ضمن مبادرات تمويل بفائدة منخفضة تصل إلى 5%، إلى جانب إعفاءات جمركية على المعدات وخطوط الإنتاج وسيارات النقل.
وتساهم هذه الحوافز في تقليل تكلفة إنشاء المشروعات بنسبة تصل إلى 25%، مع إمكانية استرداد رأس المال خلال 3 إلى 4 سنوات فقط.
مستقبل الاقتصاد الأخضر في مصر
تتجه مصر نحو تعزيز مكانتها كمركز إقليمي لصناعة إعادة التدوير، في ظل توجه عالمي نحو الاقتصاد المستدام.
ويؤكد الخبراء أن الاستثمار في المخلفات لم يعد خيارًا بيئيًا فقط، بل أصبح رهانًا اقتصاديًا رابحًا قادرًا على دعم النمو وخلق فرص عمل وتحقيق عوائد مستدامة.


تعليقات 0