جفاف تاريخي يضرب أوروبا.. أنهار تنحسر وتهدد الطاقة والزراعة وتكشف أسرارًا مدفونة

تواجه أجزاء واسعة من القارة الأوروبية موجة جفاف شديدة، تسببت في تراجع غير مسبوق لمناسيب عدد من الأنهار الرئيسية، ما وضع قطاعات الطاقة والنقل والزراعة أمام ضغوط متزايدة، بالتزامن مع ظهور آثار وبقايا تاريخية كانت مدفونة لسنوات طويلة تحت المياه.
وتتصاعد المخاوف من تداعيات استمرار انخفاض مناسيب الأنهار، خصوصًا مع اعتماد دول أوروبية على هذه الممرات المائية في توليد الكهرباء ونقل البضائع وري الأراضي الزراعية.
الدانوب تحت الضغط.. أزمة تهدد الطاقة
يأتي نهر الدانوب، ثاني أطول أنهار أوروبا، في مقدمة الأنهار المتضررة من الجفاف، بعدما تراجع منسوبه إلى مستويات شديدة الانخفاض، ما انعكس على عمليات توليد الكهرباء وتبريد المنشآت الصناعية والنووية في عدد من الدول التي يمر بها.
وفي رومانيا، أثرت أزمة انخفاض المياه على محطة تشيرنافودا النووية، وسط صعوبات مرتبطة بتوفير المياه اللازمة لعمليات التبريد، بينما اتخذت السلطات إجراءات لتحسين تدفق المياه في اتجاه المحطة.
كما انعكست أزمة الطاقة على القطاع الصناعي، مع اتجاه شركات كبرى في رومانيا إلى خفض أو تعليق الإنتاج مؤقتًا بهدف تقليل استهلاك الكهرباء.
محطة باكس النووية أمام اختبار صعب
وفي المجر، يثير انخفاض منسوب الدانوب مخاوف بشأن محطة باكس النووية، التي تمثل مصدرًا رئيسيًا للكهرباء في البلاد.
وتفرض أزمة انخفاض المياه ضغوطًا إضافية على تشغيل المحطة، في وقت تواجه فيه المنطقة موجات حرارة وجفاف متواصلة، ما دفع السلطات إلى الدعوة لترشيد استهلاك الكهرباء خلال فترات الذروة.
أما في صربيا، فقد أدى تراجع مناسيب المياه إلى انخفاض إنتاج عدد من محطات الطاقة الكهرومائية، إلى جانب تأثر أنظمة الري المستخدمة في خدمة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.
الراين.. شريان التجارة الألمانية مهدد
ولا تبدو ألمانيا بمنأى عن تداعيات الجفاف، إذ يواجه نهر الراين، أحد أهم الممرات المائية لنقل البضائع في أوروبا، انخفاضًا حادًا في منسوبه.
وتؤدي المياه الضحلة إلى تقليص كميات البضائع التي تستطيع سفن الشحن نقلها، الأمر الذي يرفع تكاليف النقل ويؤثر على حركة السلع والوقود بين الموانئ والمناطق الصناعية.
ويشكل استمرار انخفاض المياه تهديدًا مباشرًا لسلاسل الإمداد الألمانية، خاصة أن الراين يمثل طريقًا رئيسيًا لنقل المواد الخام والطاقة والمنتجات الصناعية.
نهر بو.. الجفاف يهدد الزراعة والجبن الإيطالي
وفي إيطاليا، يواجه نهر بو أزمة مياه حادة، مع انخفاض تدفقه إلى مستويات أقل بكثير من المعدلات المعتادة.
ولا تقتصر خطورة الوضع على الملاحة أو البيئة، إذ أدى انخفاض تدفق المياه إلى زيادة توغل مياه البحر المالحة داخل دلتا النهر، ما يهدد الأراضي الزراعية ويزيد من مخاطر تملح التربة.
وتنعكس الأزمة أيضًا على قطاع الثروة الحيوانية وصناعة الأجبان الإيطالية الشهيرة، في ظل اعتماد المزارع على المياه اللازمة لإنتاج الأعلاف وتربية الماشية.
الجفاف يكشف أسرارًا من الحرب العالمية الثانية
ولم تكن التداعيات الاقتصادية والبيئية هي المفاجأة الوحيدة التي حملها انحسار الأنهار الأوروبية.
ففي صربيا، ظهرت بقايا سفن حربية ألمانية تعود إلى فترة الحرب العالمية الثانية، بينما كشفت المياه المنحسرة في سلوفاكيا عن جسم متفجر بحري يعود إلى الحقبة نفسها، ما استدعى التعامل معه باعتباره خطرًا محتملًا.
عظام ماموث وبقايا أثرية تظهر من جديد
وفي بلغاريا، أدى تراجع منسوب الدانوب إلى ظهور عظام تعود إلى ماموث صوفي من العصر الجليدي، في مشهد أعاد إلى السطح جزءًا من التاريخ الطبيعي للمنطقة.
كما كشف انخفاض مياه نهر التيبر في العاصمة الإيطالية روما عن بقايا أثرية يُعتقد أنها مرتبطة بجسر يعود إلى الحقبة الرومانية.
التغير المناخي يفاقم أزمة المياه
ويرى خبراء أن تكرار موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة يفرض تحديات متزايدة على إدارة المياه في أوروبا، خصوصًا مع تداخل تأثيراتها على الطاقة والزراعة والنقل والصناعة.
وتشير التوقعات المناخية إلى احتمال زيادة فترات انخفاض مناسيب المياه خلال العقود المقبلة، ما يضع الحكومات الأوروبية أمام ضرورة تطوير خطط أكثر مرونة لإدارة الموارد المائية وتأمين الطاقة وحماية القطاعات الاقتصادية الحيوية.


تعليقات 0