6 سبتمبر 2026 20:45
سيناء الإخبارية
سيناء الإخبارية

خصخصة الصحة تحت النار: من “هرمل” إلى “هليوبوليس”.. هل يدفع المرضى فاتورة الاستثمار؟

تحقيق : شيماء عبد المجيد

في وقت تتسارع فيه خطى الحكومة نحو إشراك القطاع الخاص في إدارة المنظومة الصحية، تعود تجربة مستشفى “هرمل” ،التي تحولت إلى “جوستاف روسي إنترناشونال” لتتصدر المشهد مجددًا، باعتبارها النموذج الأبرز لاختبار سياسات الخصخصة، بين وعود التطوير ومخاوف المساس بحقوق المرضى.

فبعد أيام قليلة من تسلم الإدارة الجديدة للمستشفى في يونيو 2025، فوجئ المرضى بسلسلة من الإجراءات، تمثلت في وقف قرارات العلاج على نفقة الدولة، وفرض قيود مشددة على دخول المرضى، إلى جانب إطالة فترات الانتظار، ووصول الأمر إلى انتظار بعضهم خارج أسوار المستشفى دون تجهيزات ملائمة، فضلًا عن تعطيل إجراءات صرف العلاج من خلال منع الأختام والتوقيعات اللازمة .

ولم تتوقف الأزمة عند هذا الحد، إذ قررت الإدارة الجديدة استقبال 50 حالة يوميًا فقط، بالتوازي مع فرض رسوم كشف تراوحت بين 150 و300 جنيه حتى على مرضى نفقة الدولة، مما أثار موجة انتقادات واسعة، دفعت وزارة الصحة إلى إعلان رفضها لهذه الرسوم لاحقًا، وسط تساؤلات: لماذا لم تُحسم هذه الضوابط منذ البداية؟

هذه التطورات أعادت فتح ملف تقييم تجربة “هرمل”، وطرحت سؤالًا أكثر عمقًا: إذا كانت الحكومة تعتبر التجربة ناجحة اقتصاديًا، فهل يمكن اعتبارها كذلك من منظور العدالة الصحية؟ أم أنها جاءت على حساب حق المواطنين في العلاج؟

وفي المقابل، تتقاطع هذه التساؤلات مع واقع منظومة التأمين الصحي الشامل، التي انطلق تطبيقها عام 2019، لكنها لا تزال متوقفة عند مرحلتها الأولى في 6 محافظات فقط، تغطي أقل من 7% من السكان، بينما تستهدف المرحلة الثانية نحو 12%، مما يعني أن أكثر من 80% من المصريين لا يزالون يعتمدون على المستشفيات العامة والخاصة التقليدية، في ظل زيادات متكررة في تكاليف العلاج، ونسب فقر تتجاوز الثلث.

وبينما تنص الخطط الحكومية على تخصيص نسب من الخدمات للعلاج على نفقة الدولة والتأمين الصحي، يظل السؤال الأهم: ماذا عن الملايين خارج هذه المظلة؟ وهل تضع سياسات الخصخصة الحالية احتياجاتهم في الاعتبار؟

في هذا السياق، يبرز مشروع تطوير مستشفى هليوبوليس كنموذج جديد قيد التنفيذ، حيث منح وزير الصحة والسكان مهلة شهر للمؤسسة العلاجية لاستكمال التعاقد مع جامعة فيينا النمساوية، لإدارة وتشغيل المستشفى لمدة 15 عامًا، باستثمارات تصل إلى 1.2 مليار جنيه، تستهدف مضاعفة الطاقة الاستيعابية من 200 إلى 400 سرير، إلى جانب إنشاء مبانٍ جديدة وتحديث البنية التحتية بالكامل.

وتؤكد وزارة الصحة أن المشروع يأتي في إطار “شراكة أكاديمية وطبية متكاملة”، مع التركيز على تطوير خدمات طب الأطفال والتخصصات الدقيقة، وإدخال تقنيات متقدمة مثل زراعة الأعضاء وجراحات الأورام، فضلًا عن برامج تدريب للأطقم الطبية وفق أحدث البروتوكولات العالمية.

وبحسب بنود الاتفاق، سيتم تخصيص 60% من الأسرّة لمرضى العلاج على نفقة الدولة والتأمين الصحي، مقابل 40% للخدمات الاقتصادية والسياحة العلاجية، مع حصول المؤسسة العلاجية على عائد سنوي لا يقل عن 24 مليون جنيه، يعادل 9% من الإيرادات، ترتفع تدريجيًا بمرور الوقت.

كما يتضمن التعاقد اشتراطات بالحصول على اعتماد الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية خلال ثلاث سنوات، إلى جانب اعتماد اللجنة الدولية المشتركة (JCI)، تمهيدًا لدمج المستشفى ضمن منظومة التأمين الصحي الشامل واستقبال مرضى من الخارج.

وفيما يتعلق بالعمالة، تم الاتفاق على الإبقاء على 70% من القوة البشرية الحالية، مع إعادة توزيع النسبة المتبقية، في خطوة تثير بدورها تساؤلات حول مصير الكوادر الطبية.

ويأتي هذا التوجه ضمن إطار قانوني أوسع، أتاحته التشريعات الحديثة، التي تسمح بإسناد إدارة وتشغيل المنشآت الصحية الحكومية للمستثمرين لمدة تصل إلى 15 عامًا، مع احتفاظ الدولة بملكية الأصول.

د.علاء غنام: تجربة “جوستاف روسي” كشفت فجوة بين الاستثمار ورضا المرضى

رغم ما تحمله خطط تطوير القطاع الصحي من وعود بتوسعات كبرى وزيادة ملحوظة في الطاقة الاستيعابية، قال الدكتور علاء غنام، خبير السياسات والإصلاح الصحي ومدير برنامج الحق في الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أنه لا ينبغي أن يقتصر التقييم على حجم الاستثمارات أو عدد الأسرّة، بل يجب أن يمتد إلى جوهر المنظومة بضمان بقاء المستشفيات تحت ملكية الدولة، وقدرتها على ضبط أسعار الخدمات، وفرض رقابة فعالة على جودة الرعاية الصحية.

وأكد أن أي شراكة ناجحة لا بد أن تُقاس بثلاثة معايير حاسمة، أولها تخفيف العبء المالي عن الدولة دون الإضرار بالخدمة، الحفاظ على استقرار أسعار العلاج في متناول المرضى، وتحقيق مستوى رضا حقيقي لدى المتلقين للخدمة، محذرا من أن تحقيق أرباح للمستثمر أو تقليل نفقات الدولة لا يمكن اعتباره نجاحًا إذا جاء ذلك على حساب المرضى أو جودة الرعاية المقدمة لهم.

وأشار إلى تجربة مستشفى “جوستاف روسي ” هرمل سابقًا”، التي نجحت في تقليل جزء من الأعباء المالية على الدولة، لكنها في المقابل شهدت ارتفاعًا في تكلفة بعض الخدمات، دون أن ينعكس ذلك على مستوى رضا المرضى، في الوقت الذي حقق فيه المستثمر عوائد اقتصادية واضحة.

وتابع أن وزارة الصحة عقدت شراكة مع شركة “إليفيت”، الشريك الحصري لمعهد جوستاف روسي الفرنسي في مصر، لتطوير وإدارة مستشفى هرمل وتحويله إلى أول فرع للمعهد خارج فرنسا. ونص الاتفاق على تخصيص 70% من الأسرّة لمرضى العلاج على نفقة الدولة والتأمين الصحي، مقابل 30% للخدمات الاستثمارية.

شكاوى المرضى

لكن مع بدء تطبيق النموذج، تصاعدت شكاوى المرضى، خاصة فيما يتعلق بتوقف صرف بعض الأدوية الحيوية، وإلزامهم بشرائها على نفقتهم الخاصة، إلى جانب تقليص بعض خدمات العلاج الكيماوي المقدمة ضمن منظومة العلاج المجاني، ما أعاد الجدل حول تأثير هذه الشراكات على الفئات الأكثر احتياجًا.

وشدد على ضرورة أن يتضمن عقد مستشفى هليوبوليس المرتقب بنودًا واضحة للمراجعة الدورية، لتقييم الأداء وضبط أي اختلالات محتملة، سواء في تسعير الخدمات أو جودة الرعاية أو التزامات المشغل تجاه مرضى العلاج على نفقة الدولة والتأمين الصحي.

وأوضح أن هذا التوجه ضمن إستراتيجية حكومية أوسع للتوسع في إسناد إدارة المستشفيات العامة للقطاع الخاص، حيث كشفت تقارير سابقة عن نية طرح أكثر من 40 مستشفى أمام مستثمرين محليين وأجانب، في امتداد لتجارب سابقة شملت إسناد إدارة مركز أورام دار السلام “هرمل”، ومنح جمعية مدينة نصر حق تشغيل مستشفى مبرة المعادي .

محمود فؤاد يحذر: الاستثمار في المستشفيات يثير مخاوف حول مستقبل العلاج المجاني

ومن جانبه أكد محمود فؤاد، مدير المركز المصري للحق في الدواء، أن صدور قانون رقم 78 الخاص بمنح التزام المنشآت الطبية، لم يكن مجرد إجراء تنظيمي، بل خطوة تمهيدية لمشروعات تعتمد على الإدارة الاستثمارية للمستشفيات، لافتا إلى أن هذا التوجه يرتبط بمحاولات تخفيف العبء عن الموازنة العامة، في ظل إنفاق صحي لا يتجاوز 2%، مما يثير مخاوف بشأن تراجع دور الدولة في تقديم الخدمة المجانية.

ومن أبرز النماذج المطروحة، مستشفى هليوبوليس التابعة للمؤسسة العلاجية، حيث يجري العمل على اتفاق مع جهة أجنبية لإعادة تطويرها وإدارتها لمدة 15 عامًا، مع تخصيص 60% من الأسرّة للعلاج على نفقة الدولة والتأمين الصحي، مقابل 40% للخدمات الاقتصادية. ورغم أن هذا التقسيم يبدو متوازنًا على الورق، إلا أن التجربة العملية تطرح علامات استفهام كبيرة.

وتابع أن تجربة ” جوستاف روسي”، كشفت وجهين متناقضين، فمن ناحية، شهدت المستشفى تحسنًا ملحوظًا في مستوى النظافة وتوافر الأدوية وجودة الخدمة، مدفوعة بنظام ” الدفع مقابل الخدمة” ، لكن في المقابل، تفاقمت معاناة مرضى نفقة الدولة، حيث تأخرت قرارات العلاج لأكثر من شهر في بعض الحالات، وظهرت مشكلات في انتظام جلسات الكيماوي وتوافر الأدوية الموجهة .

وأوضح أن الأكثر إثارة للجدل كان فرض رسوم على خدمات كانت مجانية سابقًا، مثل عيادات الأسنان داخل مستشفيات الأورام، حيث وصلت تكلفة الكشف إلى 300 جنيه، وهو ما يمثل عبئًا إضافيًا على المرضى.

وأشار إلى ممارسات وصفها بـ” الالتفاف غير المباشر “، حيث يُطلب من المريض دفع رسوم للكشف كاستثناء لتسريع حصوله على الخدمة، بدلًا من انتظار قرار العلاج الحكومي، وذلك وفي الوقت الذي تنفي فيه الجهات المعنية وجود تأخيرات في إصدار قرارات العلاج على نفقة الدولة، مؤكدين أنها تستغرق من يومين إلى أسبوع كحد أقصى، وتشير الوقائع  إلى فترات انتظار أطول بكثير، تصل أحيانًا إلى شهر كامل، ما يعرض المرضى لمخاطر صحية جسيمة.

وأضاف أن التجربة سلطت الضوء على إشكالية قوائم الانتظار، حيث قد يُحرم المريض من دخول المستشفى أو تأجيل جلساته العلاجية، في ظل إدارة تركز على تقليل التكاليف وتعظيم العائد، وهو ما يثير تساؤلات حول أولويات هذا النموذج.

وأوضح أنه بالرغم  من الزيارات المتكررة من وزير الصحة للمستشفى، والتي تعكس، حالة من القلق وعدم الاستقرار، لا تزال المطالب قائمة بإجراء تقييم شامل وشفاف للتجربة، خاصة بعد مرور أكثر من عام على تطبيقها، لتحديد مدى نجاحها من عدمه، قبل تعميمها على منشآت أخرى.

وشدد على ضرورة وجود دور رقابي حقيقي للدولة بعد إسناد الإدارة، من خلال آليات واضحة وشروط جزائية تضمن عدم الإخلال بحقوق المرضى، مؤكدًا أن غياب هذا الدور يترك المواطن بلا جهة يلجأ إليها في حال الشكوى.