علاج أم سم بطيء؟.. الأدوية مجهولة المصدر تغزو الشاشات ومنصات التواصل
الدواء المغشوش.. قنبلة موقوتة في يد المريض تنتشر عبر السوشيال ميديا

تحقيق: شيماء عبد المجيد
الصحة تظل الثروة الأغلى في حياة الإنسان، يسعى للحفاظ عليها بكل السبل، لكنه قد يقع في فخ يهددها بشكل مباشر، حين يلجأ إلى شراء الدواء من مصادر غير موثوقة.
فخلال السنوات الأخيرة، لم يعد الدواء حكرًا على الصيدليات، بل خرج إلى فضاءات مفتوحة بلا ضوابط، من صفحات التواصل الاجتماعي إلى شاشات الفضائيات، وحتى الأسواق العشوائية، في مشهد يعكس تحوّلًا خطيرًا في سلوك الاستهلاك الدوائي.
ومع الانتشار السريع للتكنولوجيا، تحولت منصات مثل ” فيسبوك ” وغيرها إلى ساحات عرض لأدوية تُسوّق بأساليب مغرية، تعتمد على تخفيضات الأسعار ووعود الشفاء السريع، لتجذب المرضى الباحثين عن حل سهل وسريع، غير أن هذه العروض البراقة تخفي خلفها حقيقة صادمة، إذ تشير التقديرات إلى أن نسبة كبيرة من هذه الأدوية مجهولة المصدر أو مغشوشة، مما يجعلها قنابل موقوتة قد تودي بحياة مستخدميها.
ولا يتوقف الأمر عند صفحات الإنترنت، بل امتد إلى الإعلانات الفضائية التي تروّج لعلاجات ” سحرية ” تدعي القدرة على الشفاء الكامل، مع خدمة التوصيل حتى باب المنزل، مستغلة احتياج المرضى ورغبتهم في التعافي السريع، دون أي ضمانات حقيقية لسلامة تلك المنتجات أو فعاليتها.
في المقابل، كثّفت هيئة الدواء المصرية تحذيراتها خلال الفترة الأخيرة، عبر بيانات متلاحقة تكشف عن وجود أدوية مغشوشة أو مهربة داخل الأسواق، إلا أن هذه التحذيرات تفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة: كيف تنتشر هذه الأدوية رغم وجود منظومة رقابية؟ وأين تكمن الثغرة؟ .
صلاحيات هيئة الدواء
الإجابة تكشف جانبًا من التعقيد، إذ تتركز صلاحيات هيئة الدواء في مراقبة المصانع المرخصة وسوق الصيدليات، بينما تظل الأسواق الموازية، خاصة على الإنترنت، خارج نطاق السيطرة الكاملة، مما يفرض تحديات كبيرة تتطلب تنسيقًا مع جهات أخرى، مثل الهيئات الإعلامية، لملاحقة هذه الظاهرة وإغلاق مصادرها.
ويحذر خبراء الدواء من أن خطورة هذه المنتجات لا تكمن فقط في كونها غير قانونية، بل في تأثيرها المباشر على صحة الإنسان، حيث قد تحتوي على نسب غير دقيقة من المادة الفعالة، أو تفتقر إليها تمامًا، أو تتعرض لظروف تخزين سيئة تغيّر من تركيبها الكيميائي، مما يحولها من علاج إلى خطر حقيقي قد يصل إلى حد الوفاة.
وتعكس الأرقام الرسمية حجم سوق الدواء في مصر، حيث ارتفعت المبيعات من 309 مليارات جنيه إلى 422 مليار جنيه بين عامي 2024 و2025، مع زيادة عدد العبوات المتداولة إلى 3.9 مليار عبوة، ورغم ذلك، تظل الأدوية المغشوشة خارج أي إحصاءات دقيقة، نظرًا لطبيعتها غير المشروعة، بينما تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن حجم هذه التجارة عالميًا يتجاوز 200 مليار دولار.
وفي ظل هذا المشهد، لم يعد الحصول على الدواء يتطلب أكثر من ضغطة زر، لكن هذه السهولة تخفي واقعًا مقلقًا، حيث تتداخل الراحة مع المخاطر، وتفتح الأبواب أمام سوق غير مرئية تتسلل إلى حياة المرضى دون رقابة، ومع تصاعد التحذيرات، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل ما نشتريه علاج حقيقي… أم مخاطرة قد ندفع ثمنها من صحتنا وحياتنا؟ .
في مشهد يتسارع فيه إيقاع الحياة الرقمية، باتت الهواتف المحمولة بوابة سهلة لشراء كل شيء، حتى الدواء.. لكن خلف هذه السهولة تكمن مخاطر قد تكون قاتلة.
تحذير عاجل من مدير المركز المصري للدراسات الدوائية: لا تشترِ دواءك من صفحات ” فيسبوك ” و” تيك توك “
هكذا دق الدكتور على عبد الله، مدير المركز المصري للدراسات الدوائية، ناقوس الخطر، محذرًا من التوسع اللافت في بيع الأدوية عبر منصات التواصل الاجتماعي، في ظاهرة وصفها بأنها ” غير خاضعة للرقابة وتحمل تهديدًا مباشرًا لصحة المواطنين ” .
وأوضح أن الفترة الأخيرة شهدت انتشارًا واسعًا لصفحات تروّج للأدوية عبر ” فيسبوك” و” تيك توك “، مدفوعة برغبة بعض المواطنين في ” الاستسهال ” وتجنب الذهاب إلى الصيدليات، ما فتح الباب أمام سوق موازٍ غير مرخص، يُباع فيه الدواء بعيدًا عن أعين الجهات الرقابية.
وأكد أن المسار القانوني الوحيد لتداول الدواء يظل محصورًا في الصيدليات المرخصة، بينما تتحول المنصات الرقمية إلى بيئة خصبة لترويج أدوية مجهولة المصدر أو مغشوشة.
وأشار إلى أن الجهات الرسمية، وعلى رأسها هيئة الدواء، تفرض رقابة صارمة على الأدوية داخل المسار الشرعي، بدءًا من المصنع وحتى وصولها للمريض، لكنها لا تملك السيطرة الكاملة على ما يباع خارج هذا الإطار، خاصة عبر الإنترنت، حيث تتداخل الاختصاصات وتصبح عملية الضبط أكثر تعقيدًا، وتتطلب التنسيق مع جهات أخرى، مثل الهيئات المعنية بالإعلام، لإغلاق الصفحات المخالفة.
حماية المريض
وأوضح أن إصدار نشرات سحب الأدوية غير المطابقة للمواصفات يُعد إجراءً طبيعيًا ومعتمدًا عالميًا، حيث قد تكتشف بعض المصانع وجود خلل في إحدى التشغيلات بعد طرحها في الأسواق، فتقوم طواعية بإبلاغ هيئة الدواء لسحبها فورًا، ليتم إخطار شركات التوزيع والصيدليات وإعادة هذه الأدوية للمصانع تمهيدًا لإعدامها، في إطار منظومة رقابية تهدف لحماية المريض قبل أي اعتبار آخر.
وكشف مدير المركز المصري للدراسات الدوائية أن منظومة الرقابة تبدأ منذ اللحظة الأولى لدخول المادة الفعالة إلى البلاد عبر الموانئ والمطارات، حيث يتم سحب عينات لتحليلها قبل الإفراج الجمركي، ثم تخضع لمراحل فحص دقيقة داخل المصانع، وصولًا إلى المنتج النهائي، مع استمرار المتابعة حتى بعد طرحه في الأسواق، مؤكدًا أن أي خلل يتم اكتشافه لاحقًا يُبلغ به فورًا لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
خطر حقيقي
وحذر من أن الأدوية مجهولة المصدر لا تمثل مجرد مخالفة قانونية، بل خطرًا حقيقيًا قد يودي بحياة الإنسان، خاصة في حالات الأمراض المزمنة، حيث قد يؤدي غياب المادة الفعالة أو اختلاف تركيزها إلى نتائج كارثية.
وشدد على ضرورة عدم شراء الدواء من أي جهة غير الصيدليات، مؤكدًا أن المريض يتحمل مسؤولية قراره إذا لجأ إلى مصادر غير موثوقة، لافتا إلى أن هيئة الدواء تعمل حاليًا على تطبيق منظومة ” التتبع الدوائي”، التي تتيح مراقبة الدواء منذ دخول مكوناته إلى البلاد وحتى وصوله إلى يد المريض، في خطوة تستهدف إحكام السيطرة على السوق والقضاء على ظاهرة الغش الدوائي، واستعادة ثقة المواطنين في المنظومة الصحية.
محفوظ رمزي يكشف الفارق بين “سحب الدواء” و”الغش” وخطورة السوق الموازي
ومن جانبه أكد الدكتور محفوظ رمزي، رئيس لجنة التصنيع الدوائي بنقابة الصيادلة، أن إصدار مثل هذه التحذيرات يعد أمرًا طبيعيًا في أي دولة تمتلك منظومة رقابية قوية، مشددًا على أن تكرارها يعكس يقظة الأجهزة المختصة وليس وجود خلل كما قد يعتقد البعض.
وأوضح أن هناك فارقًا جوهريًا بين نوعين من المنشورات التي تصدرها هيئة الدواء، الأول هو ” منشور سحب الدواء”، والذي يشير إلى أن المنتج تم تصنيعه داخل مصنع مرخص وخضع للرقابة، لكنه تعرض لتغيرات لاحقة أثناء التخزين أو التداول، سواء داخل شركات التوزيع أو الصيدليات، مما قد يؤثر على خصائصه الكيميائية أو الفيزيائية، وبالتالي يقلل من كفاءة المادة الفعالة وتأثيرها العلاجي.
وأضاف أن هذا النوع من السحب يتم بشكل احترازي، حيث تقوم الشركة المنتجة بإبلاغ هيئة الدواء فور اكتشاف أي خلل، لتبدأ بدورها في إخطار جهات التوزيع لسحب التشغيلات المتأثرة من الأسواق قبل وصولها إلى المريض، في إطار منظومة رقابية تهدف إلى الحفاظ على جودة الدواء وسلامة المواطنين.
أما النوع الثاني، فهو ” منشور الغش الدوائي”، والذي يمثل الخطر الأكبر، إذ يتعلق بأدوية لم تخرج من مصانع مرخصة داخل مصر، أو تم تهريبها من دول غير معتمدة رقابيًا، وغالبًا ما تحتوي على مواد فعالة مختلفة عن تلك المدونة على العبوة، مما يجعلها تهديدًا مباشرًا لصحة المرضى .
أدوية مجهولة المصدر
وكشف أن الانتشار المتزايد للأدوية مجهولة المصدر يعود في المقام الأول إلى التوسع الكبير في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كمنصات لتسويق هذه المنتجات، حيث تمثل بيئة خصبة لترويج الأدوية المغشوشة بعيدًا عن أعين الرقابة، على عكس الصيدليات التي تخضع لإشراف مباشر من هيئة الدواء والأجهزة المعنية.
وأشار إلى أن خطورة هذه الأدوية تختلف حسب طبيعتها، لكنها تكون أشد خطورة في حالات الأمراض المزمنة مثل الضغط والسكر، حيث لا تظهر آثارها السلبية بشكل فوري، بل تتراكم تدريجيًا، مما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة تصل في بعض الأحيان إلى الوفاة، نتيجة غياب المادة الفعالة أو اختلاف تركيزها.
وأكد على أن استمرار إصدار التحذيرات بشكل دوري يعكس وجود نظام رقابي فعال، مشيرًا إلى أن التطبيق الكامل لمنظومة التتبع الدوائي خلال الفترة المقبلة سيمثل نقلة نوعية في ضبط السوق، وسيساهم بشكل كبير في الحد من انتشار الأدوية المغشوشة، بل والقضاء على نسبة كبيرة منها، بما يعزز ثقة المواطنين في المنظومة الصحية ويؤمن سلامتهم.
“سوق موازٍ يهدد الأرواح “.. خبير يكشف كواليس الأدوية المغشوشة في مصر وخطة المواجهة بـ” QR Code “
وفي تحذير يحمل أبعادًا خطيرة، كشف الدكتور إسلام عنان، أستاذ اقتصاديات الدواء والصحة وعلم انتشار الأوبئة، عن تحديات حقيقية تواجه سوق الدواء في مصر، مؤكدًا أن الرقابة الرسمية رغم قوتها، لا تزال تصطدم بسوق موازي واسع النطاق للأدوية مجهولة المصدر.
وأوضح أن هيئة الدواء المصرية تقوم بدور رقابي فعال من خلال إدارة التفتيش، حيث تتمكن من متابعة الصيدليات بشكل دقيق ومنظم، إلا أن التحدي الأكبر يكمن فيما يتم تداوله خارج الإطار الرسمي، من أدوية مهربة أو مغشوشة أو مقلدة، وهي منتجات تشكل تهديدًا مباشرًا لصحة المواطنين.
وأشار إلى أن هذا السوق غير الرسمي لا يُعد ظاهرة هامشية، بل يوازي تقريبًا السوق الدوائي الرسمي من حيث الحجم، في مشهد يتكرر في العديد من دول العالم، سواء فيما يتعلق بالأدوية أو الفيتامينات أو حتى مستحضرات التجميل.
مضاعفات صحية خطيرة
وحذر من خطورة هذه المنتجات، مؤكدًا أنها قد تكون قاتلة، ليس فقط لعدم احتوائها على المادة الفعالة، بل لاحتمال تصنيعها بشكل خاطئ أو احتوائها على نسب سُمية، مما قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة تصل إلى الوفاة.
وأضاف أن بعض هذه المنتجات، حتى وإن كانت أصلية، قد يتم تهريبها وتخزينها بطرق غير آمنة، مما يفقدها صلاحيتها ويحولها إلى خطر خفي.
وفيما يتعلق بإجراءات هيئة الدواء بسحب بعض التشغيلات من الأسواق، اعتبر أن هذه الخطوات تعكس مستوى عاليًا من الشفافية والرقابة داخل المنظومة الدوائية المصرية، مؤكدًا أنها تمثل جزءًا من آليات الحماية للمواطن.
وكشف عن قرب تفعيل منظومة التتبع الدوائي، والتي تمثل نقلة نوعية في ضبط السوق، حيث سيتم وضع رمز استجابة سريع ” QR Code ” على كل عبوة دواء، يتيح للمريض التعرف على كافة تفاصيل المنتج، بدءًا من مصدره وحتى مراحل تداوله.
وأكد أن هذه المنظومة تمثل خطوة حاسمة نحو القضاء على الأدوية المغشوشة، وتعزيز ثقة المواطن في السوق الدوائي، في معركة مستمرة لحماية صحة المجتمع من مخاطر غير مرئية قد تكون أكثر فتكًا من المرض نفسه.


تعليقات 0