9 أكتوبر 2026 01:22
سيناء الإخبارية
سيناء الإخبارية

قصرة.. جبل رأس العين في قلب معركة السيطرة على الضفة الغربية

بؤرة استيطانية تحاصر المنازل وتدفع صراع الأرض إلى مرحلة جديدة

في أقصى الجنوب الشرقي من نابلس، تبدو قرية قصرة الفلسطينية كغيرها من قرى الضفة الغربية: بيوت تتوزع على سفوح التلال، وحقول زيتون تمتد بين الصخور، وأرض زراعية ارتبطت حياة سكانها بها جيلا بعد جيل.

لكن المشهد في جبل «رأس العين» لم يعد مجرد لوحة ريفية. فالموقع الذي يمثل متنفسًا طبيعيًا لأهالي قصرة، تحول خلال الأشهر الماضية إلى نقطة صراع على الأرض، بعدما أقام مستوطنون بؤرة استيطانية على قمته، وبدأوا باستخدامها قاعدة للتحرك باتجاه الأراضي الزراعية والمنازل الفلسطينية.

ويصل ارتفاع الجبل إلى نحو 930 مترًا فوق سطح البحر، ما يمنحه موقعًا مرتفعًا يسمح برؤية مساحات واسعة من المنطقة، وصولًا إلى الأفق البحري غربًا والجبال الواقعة شرقًا في الأردن، وفق المعلومات الواردة في التقرير الأصلي.

وتزداد أهمية الموقع بسبب وقوعه ضمن المنطقة «ب» وفق تقسيمات اتفاق أوسلو، وهي المناطق التي تتولى فيها السلطة الفلسطينية إدارة الشؤون المدنية، بينما تحتفظ إسرائيل بمسؤوليات أمنية فيها.

وتقول المعطيات الواردة في التقرير إن البؤرة بدأت تظهر على قمة الجبل منذ ديسمبر الماضي، قبل أن تتوسع الاعتداءات المرتبطة بها لتشمل ملاحقة المزارعين، والاستيلاء على المواشي، ومنع فلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم وحقول الزيتون.

لكن التطور الأخطر وقع خلال الأيام الأخيرة، عندما انتقل الضغط من الأراضي الزراعية إلى محيط المنازل الفلسطينية نفسها.

فمنذ الأحد، أقام مستوطنون بؤرة أمام ثلاثة منازل تقع على سفح الجبل، وحاصروا سكانها داخلها، وطالبوهم بمغادرة المنطقة. وتقول التقارير إن الجيش الإسرائيلي تدخل لاحقًا، لكنه لم يتمكن من إخراج المستوطنين بسهولة، الذين رفضوا الانسحاب.

وفي سياق التعامل العسكري مع الوضع، احتل جنود إسرائيليون عددًا من المنازل الفلسطينية بحجة الفصل بين المستوطنين والسكان، بينما اضطر أصحاب بعض هذه المنازل إلى مغادرتها.

وبحلول الخميس، أعلن الجيش الإسرائيلي قصرة منطقة عسكرية مغلقة، كما استولى على سبعة منازل وحولها إلى مواقع عسكرية، وفق ما أورده التقرير. وتؤكد تقارير حديثة أن القوات الإسرائيلية دفعت بتعزيزات إلى المنطقة على خلفية حصار مستوطنين لمنازل فلسطينية، فيما تحدثت تقارير عن احتجاز عائلات داخل منازلها لعدة أيام.

بالنسبة لأهالي قصرة، لا تبدو هذه التطورات منفصلة عن مسار أطول من التوسع الاستيطاني والاعتداءات على الأراضي الزراعية.

رئيس بلدية قصرة عبد العظيم الوادي وصف المستوطنين بأنهم يتحركون عمليًا كـ«جنود في الجيش»، مشيرًا إلى ظهورهم أحيانًا بالملابس المدنية وأحيانًا بالزي العسكري، واتهمهم بتنفيذ اعتداءات متكررة على سكان القرية.

ويبلغ عدد سكان قصرة، بحسب المعلومات الواردة في التقرير، نحو 7500 فلسطيني، فيما تحيط بها مجموعة من المستوطنات والبؤر الاستيطانية، بينها مجدوليم وكيدا وإحيا وييش كوديش.

ويقول رئيس البلدية إن المستوطنين أقاموا خلال فترة الحرب على غزة عددًا كبيرًا من البؤر الجديدة في أراضي قصرة والقرى المجاورة، وإن الاعتداءات شملت سرقة المواشي والاعتداء على المزارعين وطردهم من أراضيهم.

ولا تعد قصرة حالة منفردة في المشهد الأوسع للضفة الغربية. ففي قرية جالود المجاورة، تعرضت منازل فلسطينية لحصار من مستوطنين خلال يوليو الماضي، قبل أن يضطر سكانها إلى مغادرتها، وفق الرواية الواردة في التقرير.

كما شهدت مناطق أخرى إحراق حقول ومزارع وسيارات ومنازل، في اعتداءات يرى فلسطينيون ومنظمات حقوقية أنها تهدف إلى دفع السكان إلى مغادرة أراضيهم بصورة تدريجية.

وتشير تقارير حديثة إلى أن العنف الاستيطاني في الضفة الغربية تصاعد بصورة لافتة خلال 2026، مع تسجيل هجمات على قرى ومزارعين وممتلكات فلسطينية، بينما أصبحت مناطق ريفية عديدة ساحات متكررة للمواجهة بين السكان والمستوطنين والقوات الإسرائيلية.

وتكتسب قضية البؤر الاستيطانية أهمية خاصة لأنها تختلف عن المستوطنات القائمة من حيث وضعها القانوني داخل النظام الإسرائيلي نفسه؛ إذ يمكن أن تبدأ البؤرة بعدد محدود من المباني أو الخيام، ثم تتحول تدريجيًا إلى وجود دائم، قبل أن يجري ربطها بالطرق والخدمات والبنية التحتية.

وتقول حركة «السلام الآن» الإسرائيلية، وفق التقرير، إن مئات البؤر الاستيطانية أقيمت في الضفة الغربية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، بينها عشرات في مناطق «ب» الواقعة تحت إدارة السلطة الفلسطينية.

وهنا تظهر القضية الأوسع: فالمعركة في قصرة لا تدور فقط حول منزل أو قطعة أرض أو قمة جبل، وإنما حول طبيعة السيطرة على المناطق التي يفترض، وفق ترتيبات أوسلو، أن تكون للسلطة الفلسطينية فيها مساحة من الإدارة.

وتذهب «السلام الآن» إلى أن ما يحدث يمثل خطوات متراكمة نحو ضم فعلي للضفة الغربية، من خلال توسيع الاستيطان ونقل صلاحيات إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية، بما يضعف قدرة السلطة الفلسطينية على ممارسة نفوذها الجغرافي والسياسي.

وفي المقابل، لا تخفي شخصيات في الحكومة الإسرائيلية توجهها نحو توسيع الاستيطان. وينقل التقرير عن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إشادته بما اعتبره إنجازات للحكومة في هذا المسار، فيما وصفته الحركة بأنه جزء من سياسة تستهدف إضعاف السلطة الفلسطينية اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا ومكانيًا.

وتشير الأرقام الواردة في المادة الأصلية إلى إعلان الحكومة الإسرائيلية إقامة 103 مستوطنات جديدة، إلى جانب 167 مستوطنة قائمة و365 بؤرة استيطانية قابلة للتوسع والتحول إلى مستوطنات، فضلًا عن إقرار بناء عشرات الآلاف من الوحدات السكنية في المستوطنات القائمة.

وفي قراءة سياسية أوسع، ينظر منتقدو هذه السياسات إلى الانتشار التدريجي للبؤر الاستيطانية في عمق المناطق الفلسطينية باعتباره وسيلة لإعادة رسم الواقع على الأرض قبل حسمه سياسيًا.

فكل بؤرة جديدة لا تعني مجرد مجموعة من المباني، وإنما قد تفرض لاحقًا طرقًا جديدة وحواجز ونطاقات أمنية ومناطق عسكرية، وتؤدي في النهاية إلى تقطيع التواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية.

وهذا تحديدًا ما يجعل جبل رأس العين ذا أهمية تتجاوز مساحته الجغرافية؛ فالموقع المرتفع يمكن أن يمنح البؤرة الاستيطانية قدرة على مراقبة المنطقة المحيطة والتحكم في حركة الوصول إلى الأراضي الزراعية، فضلًا عن تحويلها إلى نقطة انطلاق للاعتداءات، بحسب الرواية الفلسطينية الواردة في التقرير.

وتترافق هذه التطورات مع انتقادات داخل إسرائيل نفسها لسلوك المستوطنين وطريقة تعامل الأجهزة الأمنية معهم.

فقد تعرض صحفيون أجانب وإسرائيليون لاعتداءات أثناء محاولتهم توثيق النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية، من بينهم فرق إعلامية تابعة لشبكة CNN وصحيفة «هآرتس»، وفق المعلومات الواردة في المادة.

وتنقل «هآرتس» عن مصادر أمنية إسرائيلية رفيعة توصيفًا بالغ الدلالة للمشهد، مفاده أن السيطرة الأمنية والقانونية في أجزاء من الضفة أصبحت موضع تساؤل، وأن بعض المستوطنين يتحركون في مناطق «ب» لإقامة بؤر زراعية وطرد تجمعات فلسطينية من أراضيها.

قصرة

وفي قصرة، وصلت الأزمة إلى مستوى أكثر حساسية بعد دخول الجيش الإسرائيلي نفسه إلى المنازل الفلسطينية، بالتزامن مع حصار المستوطنين لها.

وتقول تقارير حديثة إن الجيش حاول تفكيك البؤر وإبعاد المستوطنين، لكنه واجه مقاومة منهم، بينما أظهرت تسجيلات تداولتها وسائل إعلام مشاهد أثارت انتقادات بشأن العلاقة بين بعض الجنود والمستوطنين. كما أعلن الجيش اتخاذ إجراءات تأديبية والتحقيق في سلوك بعض أفراده.

وهكذا أصبحت قصرة أمام معادلة شديدة التعقيد: مستوطنون يسعون إلى تثبيت وجود جديد على الأرض، سكان فلسطينيون يتمسكون بمنازلهم وحقولهم، وجيش إسرائيلي يدخل المشهد بوصفه قوة أمنية يفترض أن تفصل بين الطرفين، لكنه يجد نفسه في قلب الجدل حول مدى حياده في التعامل مع الاعتداءات.

وتكشف قصة جبل «رأس العين» عن تحول الصراع على الأرض في الضفة الغربية من مجرد خلاف على حدود قطعة أرض إلى صراع على الوجود نفسه: من يبقى، ومن يرحل، ومن يملك القدرة على الوصول إلى الأرض، ومن يستطيع تحويل وجود مؤقت إلى واقع دائم.

وفي ظل استمرار التوسع الاستيطاني وتصاعد الاعتداءات، تبدو قصرة واحدة من نقاط الاختبار الأبرز لمسألة مستقبل الضفة الغربية، ليس فقط بسبب ما يحدث داخل القرية، وإنما لأن السيطرة على قمم التلال والأراضي الزراعية قد تتحول تدريجيًا إلى شبكة جغرافية تعيد تشكيل المنطقة بأكملها.

وفي هذه المعادلة، يبقى جبل رأس العين أكثر من مجرد مرتفع يطل على قصرة؛ إنه رمز لصراع أوسع على الأرض والحدود والوجود ومستقبل أي تسوية سياسية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

قصرة