11 سبتمبر 2026 10:10
سيناء الإخبارية
سيناء الإخبارية

من إسقاط النظام إلى خفض أسعار النفط.. كيف تراجعت أهداف حرب ترامب على إيران؟

ستة أشهر من الحرب تعيد رسم حسابات واشنطن وحدود النصر

بعد أشهر من التصعيد العسكري مع إيران، تبدو إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمام اختبار مختلف عن ذلك الذي رسمته في الأيام الأولى للحرب؛ فبينما بدأت المواجهة بسقف مرتفع من المطالب والرهانات، تتجه الخطابات الصادرة عن البيت الأبيض إلى التركيز على أهداف أقل عددًا وأكثر قابلية للتحقق، في مؤشر قد يعكس استعداد واشنطن لتسوية لا تحقق كامل ما أعلنته في البداية.

وتأتي هذه التحولات مع اقتراب انتهاء مهلة الستين يومًا المنصوص عليها في مذكرة تفاهم إسلام آباد، الاثنين، في وقت تتزايد فيه التساؤلات بشأن شكل النهاية التي تبحث عنها الإدارة الأميركية للحرب، وما إذا كانت واشنطن لا تزال متمسكة بجميع شروطها الأولى أم بدأت بالفعل في إعادة ترتيب أولوياتها.

ووفق تقرير لشبكة CNN، فإن إحدى أكبر المشكلات التي تواجه إدارة ترمب تتمثل في اتساع قائمة الأهداف التي أعلنتها منذ اندلاع الحرب، إذ تضمنت في مراحلها الأولى مطالب تتجاوز الملف النووي الإيراني إلى قضايا سياسية وعسكرية وإقليمية شديدة التعقيد.

وكان من بين هذه الأهداف دفع إيران إلى ما وصفه ترمب بـ«الاستسلام الكامل»، إلى جانب الحديث عن تغيير النظام الإيراني، ومنع طهران نهائيًا من امتلاك سلاح نووي، فضلًا عن إنهاء دعمها للجماعات الحليفة لها في المنطقة، ومنها حزب الله.

لكن هذه القائمة لم تبق ثابتة طوال فترة الحرب، إذ بدأت الأهداف المعلنة تتغير تدريجيًا، بينما ظهرت مؤشرات على تقليص المطالب التي تتحدث عنها الإدارة الأميركية باعتبارها شروطًا لإنهاء المواجهة.

وجاءت تصريحات نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس لتقدم أحدث مؤشر على هذا التحول، بعدما حدد هدفين رئيسيين لإنهاء الحرب خلال مقابلة مع «فوكس نيوز».

وقال فانس إن الهدف الأول يتمثل في ضمان استمرار دول المنطقة في إمداد الاقتصاد العالمي بالنفط والغاز، بما يحافظ على استقرار أسعار الطاقة، بينما يتمثل الهدف الثاني في ضمان عدم حصول إيران على سلاح نووي.

واللافت هنا ليس فقط تقليص عدد الأهداف المعلنة، وإنما ترتيب الأولويات أيضًا؛ إذ وضع فانس استقرار أسعار النفط والغاز في المرتبة الأولى، قبل منع إيران من امتلاك سلاح نووي.

وسارعت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إلى التأكيد أن الهدفين متساويان في الأهمية بالنسبة إلى ترمب، في محاولة لتجنب تفسير تصريحات فانس باعتبارها تراجعًا عن أولوية الملف النووي.

لكن CNN رأت أن إدخال أسعار الطاقة إلى قائمة الأهداف الأساسية يمثل تحولًا واضحًا، خصوصًا أن الإدارة الأميركية كانت تضع منع إيران من امتلاك سلاح نووي في مقدمة أهدافها خلال معظم مراحل التصعيد السابقة.

من تغيير النظام إلى استقرار أسواق الطاقة

تكشف مقارنة التصريحات الأميركية خلال الأشهر الماضية عن اتساع الفجوة بين السقف الذي بدأت به الحرب والأهداف التي تبرز الآن في خطاب الإدارة.

ففي البداية، ظهرت مطالب تتعلق بتغيير النظام الإيراني، وتفكيك القدرات العسكرية والصاروخية، ووقف دعم الجماعات الحليفة لطهران، إلى جانب الملف النووي.

لكن بعض هذه الأهداف اختفى من التصريحات اللاحقة، بينما ظهرت أهداف أخرى بصورة متقطعة بحسب المسؤول الأميركي الذي يتحدث عنها.

وتشير CNN إلى أن بعض القوائم السابقة ركزت على وقف تمويل الجماعات المدعومة من إيران في المنطقة، بينما خلت قوائم أخرى من هذا الهدف.

كما تحدث مسؤولون أميركيون في فترات مختلفة عن تدمير البنية التحتية للصواريخ الإيرانية، بينما ركز آخرون على القدرات البحرية فقط، في حين ذهب بعضهم إلى الحديث عن تحييد القوات الجوية والبحرية الإيرانية.

وبدا بذلك أن تعريف «النصر» الأميركي في الحرب لم يكن ثابتًا، بل أعيدت صياغته أكثر من مرة بالتزامن مع تطورات المواجهة.

أما الحفاظ على تدفق النفط والغاز واستقرار الأسعار، فلم يكن حاضرًا بهذه الصورة ضمن الأهداف الأولى التي أعلنتها الإدارة.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة عند النظر إلى وضع المنطقة قبل الحرب، إذ كان مضيق هرمز مفتوحًا وكانت إمدادات الطاقة العالمية تتدفق بصورة طبيعية.

وبالتالي، فإن تحقيق هذا الهدف يعني عمليًا العودة إلى وضع كان قائمًا قبل اندلاع الحرب، وليس بالضرورة تحقيق مكسب استراتيجي جديد نتج عن العمليات العسكرية.

ترامب نفسه خفّض سقف المطالب النووية

لم يقتصر التحول على تصريحات مسؤولي الإدارة، بل ظهرت إشارات مماثلة في تصريحات ترمب نفسه خلال الأسابيع الماضية.

ففي مرحلة سابقة، كانت واشنطن تضغط باتجاه شروط أكثر تشددًا بشأن البرنامج النووي الإيراني، بما في ذلك التخلص من مخزون اليورانيوم المخصب.

لكن خطاب ترمب تغير تدريجيًا، إذ تحدث عن احتمال أن تكون الضربات العسكرية قد ألحقت أضرارًا كافية بالبرنامج النووي الإيراني، وأن المواد النووية أصبحت مدفونة في أماكن يصعب الوصول إليها.

كما طرح إمكانية الاعتماد على وسائل مراقبة من الفضاء للتأكد من عدم محاولة إيران استعادة قدراتها النووية، قبل أن يذهب في تصريحات أخرى إلى القول إن إيران أصبحت بالفعل «منزوعة السلاح النووي».

وهذه التصريحات تحمل دلالة مهمة؛ لأنها تنقل النقاش من مطلب تفكيك كامل للبرنامج النووي الإيراني إلى البحث عن آليات للتأكد من عدم تمكن طهران من إعادة بناء قدراتها.

وتشير القراءة التي قدمتها CNN إلى أن هذا التحول قد يعكس إدراكًا داخل الإدارة الأميركية لصعوبة إجبار إيران على قبول اتفاق نووي بالشروط القصوى التي طُرحت في بداية الحرب.

مذكرة التفاهم تختبر قدرة واشنطن على إنهاء الحرب

وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع اقتراب انتهاء المهلة المحددة في مذكرة تفاهم إسلام آباد، التي أصبحت إحدى النقاط الرئيسية في مسار البحث عن تسوية بين واشنطن وطهران.

وبحسب المعطيات التي أوردها التقرير، فإن مذكرة التفاهم التي توصلت إليها إدارة ترمب مع إيران في يونيو لم تتضمن سوى إشارات محدودة إلى عدد من الأهداف التي كانت الإدارة الأميركية تضعها في صدارة خطابها خلال المراحل الأولى من الحرب.

وهنا تبرز معضلة أساسية أمام البيت الأبيض: كيف يمكن لترمب أن ينهي حربًا بدأت بمطالب قصوى دون أن يبدو أن واشنطن تراجعت عن أهدافها؟

فكلما تقلصت قائمة المطالب الأميركية، أصبح تحقيق تسوية أسرع وأكثر احتمالًا، لكن في المقابل قد تواجه الإدارة اتهامات بأنها لم تحقق النتائج التي وعدت بها في بداية المواجهة.

أما الإبقاء على جميع المطالب الأولى، فيعني استمرار الحرب أو العودة إلى التصعيد، وهو خيار يحمل بدوره تكلفة عسكرية واقتصادية وسياسية كبيرة.

أسعار الوقود تدخل حسابات ترامب

ويكتسب ملف الطاقة حساسية خاصة بالنسبة إلى الإدارة الأميركية، إذ إن أي اضطراب طويل في إمدادات النفط والغاز من منطقة الخليج يمكن أن ينعكس سريعًا على الأسواق العالمية والأسعار داخل الولايات المتحدة.

وكان ترمب قد قال في مايو إنه لا يأخذ الوضع المالي للأميركيين في الاعتبار عند اتخاذ قراراته المتعلقة بالحرب، في إشارة إلى أن الهدف النووي كان بالنسبة إليه أكثر أهمية من تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة.

لكن موقفه شهد لاحقًا لهجة مختلفة، إذ قال الجمعة إنه «لن يعتذر أبدًا» عن دفع الأميركيين مبالغ إضافية مقابل الوقود، معتبرًا أن الرهانات المرتبطة بإيران أكبر من مجرد أسعار الطاقة.

وبين التصريحين تظهر مفارقة سياسية واضحة: الإدارة تريد تحقيق أهداف أمنية استراتيجية في مواجهة إيران، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل تأثير الحرب على أسعار الطاقة والاقتصاد الأميركي.

هل تخلت واشنطن عن تغيير النظام؟

من أكثر المؤشرات دلالة على تغير الخطاب الأميركي تراجع الحديث عن تغيير النظام الإيراني بالقوة.

فهذا الهدف كان حاضرًا بقوة في بعض مراحل الحرب، قبل أن يؤكد فانس لاحقًا أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى تغيير النظام الإيراني بالقوة.

ويعني ذلك أن واشنطن قد تكون انتقلت من محاولة إعادة تشكيل المشهد السياسي داخل إيران إلى التركيز على تحييد التهديدات التي تعتبرها مباشرة، وفي مقدمتها البرنامج النووي وأمن إمدادات الطاقة.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة انتهاء الضغوط السياسية على طهران، بل قد يشير إلى إعادة تعريف النتائج التي يمكن للإدارة الأميركية قبولها باعتبارها نهاية للحرب.

الكونجرس يسأل: ما الهدف الحقيقي من الحرب؟

وفي الداخل الأميركي، لم تمر هذه التحولات دون تساؤلات سياسية، إذ طالب مشرعون في مجلس الشيوخ إدارة ترمب بتقديم إجابات واضحة حول أهداف الحرب ومدتها وتكلفتها.

وتكشف هذه المطالب عن مشكلة أخرى تواجه البيت الأبيض، وهي الحاجة إلى تقديم تعريف واضح للنتيجة التي تعتبرها واشنطن نجاحًا.

فإذا كان الهدف هو تدمير القدرات النووية الإيرانية، فإن السؤال يصبح: إلى أي مدى تم تحقيق ذلك؟

وإذا كان الهدف منع إعادة بناء البرنامج النووي، فكيف ستتم مراقبة إيران؟

أما إذا أصبحت أسعار النفط وتدفقات الطاقة جزءًا أساسيًا من أهداف الحرب، فإن معيار النجاح يتحول إلى قدرة الإدارة على إعادة الاستقرار إلى أسواق الطاقة وفتح الطريق أمام تسوية تقلل مخاطر التصعيد.

حرب بدأت بأهداف قصوى ونهاية تبحث عن تسوية

تكشف مسيرة الحرب حتى الآن عن تحول لافت في الخطاب الأميركي؛ فالأهداف التي بدأت بمطالب شديدة الاتساع، تشمل تغيير النظام ومنع البرنامج النووي ووقف نفوذ إيران الإقليمي وتدمير قدراتها العسكرية، تبدو اليوم أكثر تركيزًا على هدفين قابلين للقياس: منع امتلاك سلاح نووي وضمان استقرار إمدادات الطاقة.

وهذا لا يعني بالضرورة أن إدارة ترمب تخلت نهائيًا عن جميع مطالبها السابقة، لكنه يشير إلى أن سقف ما يمكن أن تقبله باعتباره نهاية للحرب قد أصبح أقل ارتفاعًا.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كانت واشنطن قادرة على تحقيق كل الأهداف التي أعلنتها في بداية الحرب، وإنما ما إذا كان ترمب يستطيع صياغة تسوية تمنحه مخرجًا سياسيًا مقبولًا، وتسمح له في الوقت نفسه بتقديم ما تحقق باعتباره انتصارًا أميركيًا.

وبينما تقترب مهلة مذكرة تفاهم إسلام آباد من نهايتها، يبدو أن معركة تحديد «شكل النصر» لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية نفسها؛ فواشنطن تبحث عن نهاية تحفظ الردع الأميركي، وطهران تحاول تجنب تقديم تنازلات تمس جوهر قدراتها، فيما تظل أسواق الطاقة وممرات الملاحة عاملًا ضاغطًا على الطرفين.