14 يناير 2026 05:06
سيناء الإخبارية
سيناء الإخبارية

الضغط الأمريكي على الإخوان.. رسائل سياسية وتداعيات دولية عابرة للحدود

في مشهد سياسي يعكس تحولات عميقة في مقاربة واشنطن لملفات الجماعات العابرة للحدود، جاء القرار الأمريكي بتصنيف عدد من فروع جماعة الإخوان كمنظمات إرهابية ليشكّل محطة مفصلية تحمل في طياتها رسائل سياسية حادة وتداعيات دولية واسعة.

هذا التحرك لا ينفصل عن سياق إقليمي ودولي متشابك، تتداخل فيه اعتبارات الأمن ومكافحة التطرّف مع إعادة رسم خطوط النفوذ والتأثير في الشرق الأوسط وأوروبا.

إعلان التصنيف وتحول في الاستراتيجية الأمريكية

أعلنت الولايات المتحدة في خطوة وُصفت بالحاسمة تصنيف فروع جماعة الإخوان في مصر والأردن ولبنان كمنظمات إرهابية، معتبرة أن هذه الكيانات تشكّل تهديدًا مباشرًا لمصالحها.

وجاء تصنيف الفرع اللبناني على لائحة المنظمات الإرهابية الأجنبية كأشدّ الإجراءات القانونية، الأمر الذي يجعل أي دعم مالي أو لوجستي له جريمة جنائية يُعاقب عليها القانون الأمريكي.

هذا القرار عكس تحولًا واضحًا من سياسة الاحتواء والمراقبة إلى نهج المواجهة القانونية والمالية المباشرة.

موقف وزارة الخزانة والخارجية ورسائل الردع

أكدت وزارة الخزانة الأميركية أن الخطوة تهدف إلى تجفيف منابع التمويل ومنع وصول الموارد إلى هذه الفروع، فيما شدد وزير الخارجية ماركو روبيو على أن واشنطن ستستخدم كل الأدوات المتاحة لإحباط أعمال العنف وزعزعة الاستقرار.

وأوضح أن هذه الإجراءات ليست سوى بداية لمسار طويل يستهدف البنية التنظيمية والمالية لجماعة الإخوان على المستوى الدولي.

اتساع نطاق الضغط من الفيدرالية إلى الولايات

لم يقتصر التحرك الأمريكي على المستوى الفيدرالي، بل امتد إلى الولايات، حيث أعلن المدعي العام لولاية تكساس عن تعاون مع ولايتي فرجينيا وآيوا لتقديم مذكرة قانونية تدعم عائلات ضحايا هجمات حماس في أكتوبر 2023. هذه الدعاوى استهدفت منظمات مصنفة على أنها متطرفة، في خطوة تعكس تنسيقًا داخليًا واسعًا لملاحقة أي كيانات يُشتبه بارتباطها بالإخوان أو بدعمها غير المباشر لأعمال العنف.

انتقال العدوى السياسية إلى الغرب

التحركات الأمريكية لم تبقَ محصورة داخل حدودها، إذ بدأت دول غربية أخرى بمحاكاة هذا النهج.

ففي فرنسا، من المقرر أن تبحث لجنة الشؤون الأوروبية في البرلمان مشروعًا لإدراج جماعة الإخوان على اللائحة الأوروبية للمنظمات الإرهابية، استنادًا إلى تقرير لوزارة الداخلية الفرنسية حذّر من تمدد التنظيم وتهديده للأمن الداخلي، ما يشير إلى تنسيق غربي متزايد في هذا الملف.

قراءات سياسية ودلالات القرار

يرى الكاتب والباحث السياسي صلاح العبادي أن التصنيف الأمريكي يندرج ضمن إطار توجيه رسائل واضحة للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان.

ويوضح أن الإدارة الأمريكية تدرك أن الجماعة محظورة سياسيًا منذ سنوات في مصر والأردن، حيث صدر في الأردن عام 2020 قرار قضائي باعتبارها منحلة مع إغلاق مقراتها ومصادرة ممتلكاتها، ما يعني أن القرار يستهدف البعد الدولي للتنظيم أكثر من حضوره المحلي المحدود.

وضع الجماعة في لبنان وسياق النفوذ الإقليمي

بحسب العبادي، لا يختلف الوضع في لبنان كثيرًا، إذ لا تمتلك الجماعة ثقلًا سياسيًا حقيقيًا في ظل هيمنة حزب الله المدعوم من إيران على المشهد السياسي.

هذا الواقع يقلل من قدرتها على التأثير الداخلي، لكنه لا يلغي دورها كنقطة اتصال ضمن الشبكة الدولية للتنظيم، وهو ما تراقبه واشنطن عن كثب.

اجتماع إسطنبول وإعادة إنتاج التنظيم

يشير العبادي إلى أن القرار الأمريكي جاء أيضًا بعد الاجتماع الأخير لقيادات الإخوان في إسطنبول، والذي سعى إلى إعادة إنتاج التنظيم سياسيًا وتنظيميًا.

ويرى أن واشنطن التقطت هذه الإشارات مبكرًا، وقررت توجيه رسالة حازمة بأن إعادة التموضع لن تمر دون محاسبة.

استغلال الأزمات وجمع الأموال

تطرق العبادي إلى اعتماد الجماعة على الأزمات كوسيلة لإعادة بناء نفوذها، موضحًا أن قيادات التنظيم الدولي تمتلك ثروات ضخمة.

وخلال أحداث 7 أكتوبر والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، جرى استغلال معاناة أهالي القطاع لتحقيق مكاسب مالية، دون تقديم دعم فعلي للفلسطينيين أو لأسر الشهداء، بعيدًا عن الشعارات المعلنة.

الجذور التاريخية والعمل الخيري كأداة نفوذ

استعرض العبادي تاريخ الجماعة منذ تأسيسها عام 1928، مشيرًا إلى اعتمادها في بداياتها على العمل الخيري كمدخل للتغلغل المجتمعي وبناء القواعد الشعبية. هذا الأسلوب، بحسبه، لا يزال حاضرًا ولكن بصيغ مالية وتنظيمية أكثر تعقيدًا تتطلب رقابة دولية مشددة.

العلاقة بحماس وشبكات التمويل

يرى العبادي أن القرار الأمريكي يستهدف أيضًا العلاقة بين الإخوان وحركة حماس التي تأسست عام 1987 وانبثقت عن عباءة الجماعة.

ويوضح أن هذه العلاقة استُخدمت لجمع الأموال وغسلها تحت عناوين دعم المقاومة الفلسطينية، لخدمة مصالح شخصية لبعض القيادات، وهو ما دفع واشنطن إلى التركيز على مسارات التمويل واحتمالات تجميد الأصول.

آفاق المرحلة المقبلة والتداعيات الدولية

بحسب العبادي، ينتشر التنظيم الدولي للإخوان في أكثر من 60 دولة عربية وأوروبية، ويمتلك مليارات الدولارات، ما يرجح صدور سلسلة قرارات أميركية لاحقة تستهدف تجميد الأصول وملاحقة القيادات دوليًا.

هذه التطورات تنذر بمرحلة جديدة من المواجهة القانونية والسياسية، قد تعيد رسم خريطة نشاط الجماعة على مستوى العالم.