9 يناير 2026 19:45
سيناء الإخبارية
سيناء الإخبارية

ترامب من فنزويلا إلى جرينلاند.. سياسة العصا الغليظة وحدود الشرعية الدولية

تشهد العلاقات الدولية مرحلة شديدة الاضطراب في ظل عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الواجهة السياسية، حيث تتبلور ملامح سياسة خارجية تقوم على الضغط المباشر واستخدام أدوات القوة الصلبة والناعمة لتحقيق أهداف استراتيجية واسعة.

هذه التحركات لا تقتصر على منطقة بعينها، بل تمتد من أمريكا اللاتينية الغنية بالطاقة إلى القطب الشمالي الذي تتزايد أهميته الجيوسياسية، في مشهد يعكس تحولا عميقا في طريقة إدارة واشنطن لعلاقاتها مع العالم وإعادة تعريفها لمفهوم الأمن القومي.

النفط الفنزويلي في قلب الاستراتيجية الأمريكية
تركز الولايات المتحدة بشكل متصاعد على فنزويلا باعتبارها خزانا استراتيجيا للطاقة، وتسعى إلى التحكم في مسار صادراتها النفطية وإدارة مبيعاتها لفترة غير محددة، بالتوازي مع ممارسة ضغوط سياسية وأمنية على حكومة كاراكاس.

وتشمل هذه الضغوط مطالب بطرد المستشارين الروس والصينيين والإيرانيين، إضافة إلى احتجاز ناقلات نفط روسية في شمال المحيط الأطلسي، وهي خطوة أثارت اعتراضا روسيا واعتبرتها موسكو انتهاكا صريحا للقانون البحري الدولي.

واشنطن وإعادة رسم معادلات السياسة العالمية
تعكس هذه التحركات توجها أمريكيا لإعادة صياغة قواعد الاشتباك السياسي والدبلوماسي على المستوى الدولي، حيث لم تعد واشنطن تكتفي بإدارة الأزمات عبر القنوات التقليدية، بل باتت تميل إلى فرض الوقائع على الأرض.

هذا النهج يشير إلى بداية مرحلة جديدة من السياسات القائمة على فرض المصالح بالقوة، مع ما يحمله ذلك من تداعيات محتملة على موازين القوى الإقليمية والدولية.

الأمن القومي الأمريكي من نصف الكرة الغربي إلى القطب الشمالي
يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة فلوريدا أتلانتيك، روبرت رابيل -بحسب “سكاي نيوز عربيةـ أن السياسة الأمريكية الحالية لا تنطلق من فنزويلا وحدها، بل تقوم على تقييم شامل لمخاطر الأمن القومي يمتد من نصف الكرة الغربي إلى أقصى الشمال.

ويؤكد أن إدارة ترامب تبنت رؤية استراتيجية تعتبر ما يسمى بالهامشفير مجالا حيويا للأمن الأمريكي، مع التركيز على فنزويلا منذ عهد هوجو تشافيز ثم نيكولاس مادورو بسبب تحالفاتهم مع روسيا والصين وإيران، إضافة إلى اتهامات تتعلق بشبكات تهريب وغسل أموال وأنشطة تجسس.

التغيير في فنزويلا كضرورة استراتيجية
بحسب رابيل، فإن الإدارات الأمريكية السابقة لم توضح سياساتها تجاه فنزويلا بشكل كاف، ما استدعى تحولا أكثر حزما لضمان حماية الأمن القومي الأمريكي.

ويعتبر أن إحداث تغيير سياسي في فنزويلا لم يعد خيارا ثانويا، بل ضرورة استراتيجية لمواجهة التهديدات المحتملة وحماية المصالح الأمريكية في المنطقة.

جرينلاند والقطب الشمالي في حسابات القوة
تكتسب جرينلاند أهمية متزايدة في الاستراتيجية الأمريكية، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، بل لما تختزنه من موارد طبيعية هائلة تشمل نحو 20% من احتياطات المياه العذبة و30% من احتياطات الغاز والمعادن.

كما تمثل بوابة استراتيجية للقطب الشمالي، حيث تعزز روسيا وجودها عبر 6 قواعد عسكرية، فيما تكثف الصين أبحاثها ونشاطها البحري، الأمر الذي يدفع واشنطن إلى تعزيز حضورها لمواجهة هذا النفوذ المتصاعد.

القدرات الأمريكية ومعادلة الردع القطبي
يشير رابيل إلى أن الولايات المتحدة تمتلك 3 سفن نووية مهيأة للعمل في البيئات الجليدية، ما يعكس استعدادا متقدما لحماية مصالحها في القطب الشمالي.

وتبرز جرينلاند في هذا السياق كنقطة ارتكاز أساسية لأي استراتيجية أمريكية تهدف إلى تأمين التوازن العسكري والاقتصادي في هذه المنطقة الحساسة.

النظام الدولي بين الحماية والتصدع
وأكد رابيل أن الولايات المتحدة لعبت دور الحارس الرئيسي للنظام الدولي منذ الحرب العالمية الثانية، وأن أي تصدع في هذا النظام يشكل تهديدا مباشرا لأمنها القومي. ومع تصاعد المنافسة الاستراتيجية مع الصين، تجد واشنطن نفسها مضطرة إلى تعزيز قدراتها الاقتصادية والعسكرية للحفاظ على موقعها القيادي في النظام العالمي.

أوروبا بين الشراكة واختبار المسؤولية
فيما يتعلق بالعلاقة مع أوروبا، يرى رابيل أن واشنطن لا تفصل هذه العلاقة عن مسؤولياتها المشتركة، لكنها تطالب دول الاتحاد الأوروبي بتحمل نصيب أكبر من أعباء الإنفاق الدفاعي.

وتأتي هذه المطالب في ظل ديون أمريكية تبلغ 36 تريليون دولار، ما يدفع الإدارة الأمريكية إلى إعادة تقييم التزاماتها وتحالفاتها في ضوء التحولات العالمية.

سياسة العصا الغليظة وحدود الشرعية الدولية
من جانبه، يعتبر الباحث في العلاقات الدولية توفيق فويدر شيشي -بحسب سكاي نبوز عربية- أن إدارة ترامب تخلت عن الدبلوماسية التقليدية واعتمدت نهج العصا الغليظة في تعاملها مع العالم.

وأوضح أن مفهوم الأمن القومي بات يستخدم كذريعة للتدخل في شؤون الدول الأخرى والاستيلاء على مواردها، سواء في فنزويلا أو عبر محاولات الاستحواذ على جرينلاند، وهو ما يتعارض مع مبادئ القانون الدولي وسيادة الدول.

فنزويلا وجرينلاند بين السيادة والتدخل
يشدد شيشي على أن أي تغيير سياسي في فنزويلا يجب أن يكون شأنا داخليا يقرره الشعب الفنزويلي، وليس مهمة للجيش الأمريكي أو الإدارة الأمريكية.

كما يرى أن محاولات شراء جرينلاند تثير جدلا قانونيا وأخلاقيا واسعا، كون الجزيرة تابعة للدنمارك وتتمتع بحكم ذاتي ولا تشكل تهديدا أمنيا للولايات المتحدة.

الموقف الأوروبي وإجماع الحماية
يلفت شيشي إلى أن دول الاتحاد الأوروبي أبدت دعما سياسيا واضحا للدنمارك، مع وجود إجماع أوروبي على حماية جرينلاند دبلوماسيا وسياسيا.

كما أشار إلى إمكانية تفعيل المادة السابعة من قوانين الاتحاد الأوروبي في حال التعرض لأي اعتداء، باعتبار أن الهجوم على دولة عضو يعد هجوما على جميع الدول الأعضاء.

الضعف الأوروبي واستفزازات واشنطن
يرى الباحث أن أوروبا، بما فيها ألمانيا وبريطانيا، لا تزال تعاني من ضعف نسبي أمام الولايات المتحدة لاعتمادها على الحماية الأمريكية في المجال الأمني، ما يجعلها عرضة لضغوط واستفزازات ترامب، خاصة فيما يتعلق بزيادة المساهمات في حلف الناتو. ومع ذلك، يؤكد أن لدى أوروبا أدوات سياسية وقانونية تمكنها من الدفاع عن مصالحها.

قانون الغاب أم توازن التحالفات
يحذر شيشي من سيادة منطق قانون الغاب في العلاقات الدولية إذا استمر هذا النهج الأمريكي، مؤكدا أن دولا عدة ستتصدى لمحاولات فرض السيطرة بالقوة.

ويعتبر أن ظاهرة ترامب تمثل اختبارا حقيقيا للتحالفات الدولية، ما يستدعي تعاملا حكيما يحفظ حقوق الدول ويمنع الاستيلاء على ثرواتها، سواء في جرينلاند أو غيرها، رغم الارتباطات القائمة داخل حلف شمال الأطلسي.