ترامب وإيران.. حوار الأساطيل ورسائل الردع في إقليم مشتعل

في خضم ملفات إقليمية متشابكة تتعامل الإدارة الأمريكية مع كل أزمة بمعايير مختلفة تبدأ من الملف النووي الإيرانين ولا تنتهي عند التوترات الممتدة في العراق وسوريا ولبنان وغزة؛ حيث تحاول واشنطن إدارة هذا المشهد شديد التعقيد عبر مزيج محسوب من الضغط السياسي والاستعراض العسكري والانفتاح الدبلوماسي؛ بما يهدف إلى احتواء الأزمات دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تشعل المنطقة بأكملها.
بين التهديد العسكري والدبلوماسية الهادئة
بينما تلوح في الأفق تهديدات باستخدام القوة ضد إيران تعتمد الولايات المتحدة نهجا أقل حدة في ملفات إقليمية أخرى، وهو ما يعكس محاولة أمريكية دقيقة لتحقيق توازن صعب بين الردع العسكري والحلول السياسية في وقت تتصاعد فيه المخاوف الإقليمية من أي تصعيد قد يخرج عن السيطرة ويفتح الباب أمام سيناريوهات غير محسوبة العواقب.
قراءة أمريكية لاحتمالات الضربة
الباحث الأول في مجلس السياسات الخارجية الأمريكية لورانس هاس قدم خلال حديثه لسكاي نيوز عربية تقييما حذرا لاحتمالات توجيه ضربة عسكرية لإيران، مؤكدا أنه غير متيقن من قرب حدوث عمل عسكري مباشر ومشيرا إلى أن التحركات العسكرية الأمريكية الحالية تحمل في جوهرها رسائل سياسية أكثر من كونها استعدادا فعليا للحرب.
رسائل الردع
يرى هاس أن تحريك الأساطيل وحاملات الطائرات الأمريكية في المنطقة يندرج في إطار إظهار القوة، وبعث رسائل ردع واضحة إلى طهران، موضحا أن هذه التحركات لا ترتبط بالضرورة بالبرنامج النووي الإيراني بقدر ما تتصل بكيفية تعامل النظام الإيراني مع الاحتجاجات الداخلية، وما تحمله واشنطن من مواقف تجاه هذا الملف.
الخطوط الحمراء وحدود التهديد
أوضح الباحث الأمريكي أن الرئيس الأمريكي ترامب سبق أن لوح باتخاذ خطوات عسكرية في حال قتل المحتجين داخل إيران إلا أن ذلك لم يحدث فعليا رغم وقوع تلك الانتهاكات، معتبرا أن هذا التناقض بين التهديد والتنفيذ يعزز قناعته بأن واشنطن لا تزال بعيدة نسبيا عن خيار الضربة العسكرية، وأن هذا السيناريو قد لا يتحقق في نهاية المطاف.
القوة الأمريكية ودور الحلفاء
في تقييمه لقدرة الولايات المتحدة على التحرك منفردة شدد هاس على أن واشنطن رغم قوتها العسكرية والسياسية لا تستطيع فرض قراراتها بمعزل عن حلفائها، مؤكدا أن أي تحرك ضاغط تجاه إيران سيبقى مرهونا بتنسيق وثيق مع الشركاء الأوروبيين والدوليين سواء فيما يتعلق بالبرنامج النووي أو الصواريخ الباليستية أو ملف الاحتجاجات الداخلية.
تحفظات إقليمية وحسابات معقدة
تطرق هاس إلى مواقف دول المنطقة مشيرا إلى تحفظات سعودية وإماراتية بشأن استخدام مجالهما الجوي في أي هجوم محتمل على إيران، إلى جانب تساؤلات إسرائيلية، وضغوط داخلية داخل الولايات المتحدة من مستشارين في البيت الأبيض والكونجرس، وهو ما يعكس حجم التعقيد الذي يحيط بصنع القرار الأمريكي في هذه المرحلة الحساسة.
مخاوف من حرب شاملة
أكد الباحث الأمريكي أن المنطقة غير مهيأة لتحمل مواجهة عسكرية جديدة، موضحا أن العواصم الإقليمية تشعر بقلق عميق من تداعيات أي استخدام للقوة ضد إيران، لما قد يحمله من مخاطر توسع الصراع ليشمل المنطقة بأسرها؛ خاصة في ظل الإرهاق الناتج عن سنوات من الحروب والمواجهات المتتالية.
تراكم الأزمات ورفض التصعيد
ربط هاس هذه المخاوف بحالة الإنهاك الإقليمي بعد المواجهات المتكررة بين إسرائيل وإيران، والحرب في غزة مع حماس، والتوتر المستمر مع حزب الله في لبنان، معتبرا أن هذا التراكم من الأزمات جعل المنطقة تئن من الصراعات، وترفض أي سيناريو تصعيدي جديد قد يزيد من معاناة شعوبها.
تعامل واشنطن مع الأزمات الأخرى
في سياق متصل، أوضح هاس أن الولايات المتحدة تتعامل مع الأزمات الإقليمية كل على حدة، وتستبعد الانخراط العسكري المباشر في ملفات مثل اليمن أو السودان رغم قلقها من حالة عدم الاستقرار، مؤكدا أن الأولوية الأمريكية تظل حماية المصالح وشبكة التحالفات التي تشمل إسرائيل والسعودية وتركيا والأردن ومصر.
غزة وآفاق السلام المؤجلة
فيما يتعلق بملف غزة، أشار هاس إلى أن الرؤية الأمريكية للمستقبل تقوم على افتراض تخلي حركة حماس عن سلاحها، وعدم لعبها دورا في مستقبل القطاع إلا أنه أعرب عن اعتقاده بأن هذا السيناريو غير واقعي، مضيفا أن غياب الاستعداد لاستخدام القوة لاستئصال الحركة يجعل فرص تحقيق تسوية سلمية شاملة ضعيفة في المرحلة الحالية في ظل حجم المعاناة الإنسانية، واستمرار تعقيدات المشهد السياسي.


تعليقات 0