«جوّالي الأرض».. ميليشيات المستوطنين تصعد هجماتها لتهجير الفلسطينيين من أرياف الضفة الغربية

تشهد القرى والأرياف الفلسطينية في الضفة الغربية تصاعدًا لافتًا في هجمات المستوطنين خلال الفترة الأخيرة، في ظل ظروف سياسية وعسكرية معقدة تمر بها المنطقة.
ومع أن يوم السبت يُعد عطلة رسمية ودينية لدى الإسرائيليين، إلا أنه تحوّل بالنسبة لبعض مجموعات المستوطنين إلى فرصة لتنفيذ اعتداءات منظمة تستهدف الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم.
وتشير تقارير فلسطينية إلى أن هذه الاعتداءات تأتي ضمن حملة أوسع تهدف إلى دفع السكان الفلسطينيين إلى مغادرة مناطقهم الريفية، خصوصًا في المناطق المصنفة (ج) التي تشكل النسبة الأكبر من مساحة الضفة الغربية، ما يعكس تصاعدًا في الصراع على الأرض ومحاولات مستمرة لتغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي في هذه المناطق الحساسة.
هجمات متكررة في القرى الفلسطينية
شهدت عدة مناطق في الضفة الغربية سلسلة هجمات نفذتها ميليشيات من المستوطنين تُطلق على نفسها اسم “جوّالو الأرض”.
وخلال يوم السبت الماضي وحده نفذت هذه المجموعات أكثر من 10 هجمات في مناطق مختلفة، كان أبرزها في بلدة قصرة جنوب شرق نابلس؛ حيث استُشهد الشاب أمير عودة 28 عامًا بعد تعرضه لاعتداء من المستوطنين.
كما أُصيب والده وعدد من سكان البلدة بجروح متفاوتة، وقال أحد المصابين ويدعى زين كنعان إن المستوطنين اعتدوا على أمير بالسكاكين قبل أن يطلقوا النار عليه من مسافة قريبة للغاية، في حادثة أثارت غضبًا واسعًا في الأوساط الفلسطينية.
اعتداءات تمتد إلى الأراضي والممتلكات
لم تقتصر الاعتداءات على استهداف الأشخاص فقط، بل طالت أيضًا الممتلكات الزراعية ومصادر رزق الفلسطينيين.
فقد وثّقت صور ومقاطع فيديو هجمات في مناطق مختلفة من بينها تلال طوباس؛ حيث هاجم مستوطنون سكان خيام من الرجال والنساء والأطفال مستخدمين العصي، وطالبوهم بمغادرة أراضيهم.
وفي منطقة خربة حمصة شرق بلدة طمون اقتحم عشرات المستوطنين مزرعة تضم نحو 400 رأس من الماشية وقاموا بمصادرتها ونقلها عبر شاحنات، ما ترك أصحابها دون مصدر للعيش.
كما تعرضت الدفيئات الزراعية في سهل دير شرف لاعتداءات شملت تخريبها وسرقة مولدات الكهرباء التي تُستخدم لضخ المياه، إلى جانب قطع أنابيب المياه وإتلاف المضخات الزراعية.
اعتداءات على القرى والسكان
امتدت الهجمات كذلك إلى عدد من القرى الفلسطينية؛ حيث تعرض السكان لاعتداءات مباشرة؛ ففي قرية أم الخير في مسافر يطا جنوب الخليل اقتحم مستوطنون القرية باستخدام جرّارات زراعية ومركبات دفع رباعي، وقاموا بدهس طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات.
وفي بلدة بورين قرب نابلس تجول مستوطنون مسلحون في شوارع القرية، وهددوا السكان ومنعوهم من الوصول إلى حقولهم، كما حطموا عددًا من المركبات.
وفي وادي قانا شمال الضفة الغربية طرد المستوطنون مزارعين من أراضيهم، بينما تعرضت منازل في قرى أخرى لاعتداءات رافقها ضرب رجال أمام عائلاتهم وأطفالهم.
تصعيد متزامن مع الحروب في المنطقة
تقول تقارير فلسطينية إن حملات المستوطنين الهادفة إلى تهجير الفلسطينيين من الأرياف بدأت بالتزامن مع الحرب على غزة، لكنها تصاعدت بشكل ملحوظ خلال الأسبوعين الأخيرين مع اتساع التوترات الإقليمية.
ووفقًا لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فقد جرى توثيق 190 هجومًا نفذها مستوطنون خلال أسبوعين فقط، أسفرت عن استشهاد 7 فلسطينيين، وإصابة عشرات آخرين، إلى جانب مصادرة مئات رؤوس الماشية.
وشملت هذه الاعتداءات حوادث دامية مثل استشهاد شقيقين أمام منزلهما في بلدة قريوت جنوب نابلس، واستشهاد شاب في مسافر يطا وإصابة شقيقه، بينما أسفر هجوم آخر في بلدة دير أبو فلاح عن 3 شهداء وعدد من الجرحى.
صمت رسمي ودعم عسكري
يشكو سكان القرى الفلسطينية من غياب أي تحرك فعلي من قبل السلطات الإسرائيلية لوقف هذه الاعتداءات.
ويقول أحد سكان قرية يبرود قرب رام الله إنه توجه إلى مركز شرطة إسرائيلي لتقديم شكوى بعد اقتحام مستوطنين منزله وسرقة مواشيه، إلا أن الشرطة رفضت تسجيل الشكوى، وطلبت منه التوجه إلى السلطة الفلسطينية.
وفي المقابل يتهم فلسطينيون الجيش الإسرائيلي بتوفير الحماية للمستوطنين أثناء تنفيذ هجماتهم، الأمر الذي يتيح لهم السيطرة على الأراضي وتوسيع نفوذهم في المناطق الريفية.
توسع البؤر الاستيطانية الرعوية
يرى باحثون أن هذه الهجمات ترتبط بمخططات أوسع تهدف إلى توسيع البؤر الاستيطانية، خاصة تلك التي تعتمد على تربية المواشي للسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي.
ويشير الباحث أمير داود من هيئة مقاومة الاستيطان إلى أن الجيش الإسرائيلي أصدر منذ بداية العام 30 أمرًا عسكريًا لاقتلاع أشجار في الضفة الغربية، من بينها 13 أمرًا خلال الأسبوعين الأخيرين فقط بذريعة أسباب أمنية.
وتقول السلطات الإسرائيلية إن هذه الأشجار تقع قرب طرق يستخدمها المستوطنون، وقد تشكل غطاءً لمهاجمين فلسطينيين، بينما يرى الفلسطينيون أن هذه الإجراءات تمهد لتوسيع السيطرة الاستيطانية.
خطط حكومية لدعم المشروع الاستيطاني
في السياق ذاته، يواصل المستوطنون إقامة بؤر استيطانية جديدة في مناطق مختلفة من الضفة الغربية بدعم حكومي وسياسي واسع، خصوصًا من وزارات يتولاها وزراء ينتمون إلى أحزاب استيطانية.
وتشير تقارير إلى أن هذه المجموعات حصلت على سيارات دفع رباعي وطائرات مسيرة، وأسلحة وأموال ومعدات زراعية لتعزيز وجودها في تلك المناطق.
كما أطلق حزب الصهيونية الدينية بزعامة بتسلئيل سموتريتش منصة بعنوان “الثورة الاستيطانية” استعرض فيها مشاريع تشمل بناء عشرات آلاف الوحدات الاستيطانية، وتوسيع الطرق ونشر شبكات اتصالات إسرائيلية في الضفة الغربية، إلى جانب خطوات إدارية تهدف إلى تسهيل مصادرة الأراضي وتعزيز السيطرة الاستيطانية.


تعليقات 0