تسجيل الدخول

العادات القبلية والمرأة .. كيف واجهت المرأة السيناوية الإرهاب؟

أخبار سيناء
1 نوفمبر 2019آخر تحديث : منذ 3 أسابيع
العادات القبلية والمرأة .. كيف واجهت المرأة السيناوية الإرهاب؟

تعانى المرأة تحت الحكم القبلى من التهميش، وتصبح رهن قرارات ذكورية تقوض فرصها فى التعليم والثقافة والانفتاح، وترسخ صورتها الذهنية كماكينة لإنتاج بشر.
لكن الظروف القاسية التى فرضتها مواجهة الإرهاب فى سيناء، وانعكاساتها المعيشية والمعنوية، دفعت بالمرأة السيناوية إلى أدوار مجتمعية أسهمت فى صياغة وعى مغاير، ما حقق طفرات ملحوظة فى قضايا النوع الاجتماعى، ورفع الوعيين القبلى والمجتمعى فى تلك البقعة تحديدًا. فى السطور التالية نستعرض نماذج دالة على ذلك، لنتعرف كيف حولن أصوات إطلاق النار من حولهن إلى مصدر طاقة ساعدهن على أن يكنّ بـ«١٠٠ راجل».

وقفت السيدة فؤادة سماحة داخل خيمة فى مدينة القاهرة الجديدة، تعرض منتجات صنعتها وسيناويات أخريات ضمن معرض «تراثنا»، فى أكتوبر الماضى.
قبل سنوات، لم يكن متاحًا للسيناويات السفر بمفردهن، والوقوف لبيع سلع أنتجنها. فحدود المرأة السيناوية خصوصًا المنتميات إلى قبائل عريقة كانت تقف عند خيامهن فى سيناء.
كما لم يكن رائجًا للمرأة القبلية القيام بأدوار مجتمعية، لذا كان نموذج «فؤادة» التى دشنت جمعية «تنمية المرأة السيناوية» فى بئر العبد، وحصلت مؤخرًا على صفة «النفع العام»، التى تعد بمثابة تعاون بين الحكومة والمجتمع المدنى لتعميق الأدوار التنموية فى المجتمع، استثناء.
وبئر العبد مدينة ودعت أكثر من ٣٠٠ شخص من رجالها إثر الهجوم على مسجد الروضة خلال صلاة الجمعة من قبل التنظيم الإرهابى «داعش»، فى نوفمبر ٢٠١٧، وبذلك الهجوم باتت المرأة فى مواجهة مهمة رب الأسرة.
تقول «فؤادة»، لـ«الدستور»: «رغم أن الجمعية مشهرة فى العام ١٩٩٦، لكن استجابة السيناويات لقضايا المرأة شهدت طفرات مؤخرًا، خصوصًا فى قضية مثل ختان الإناث، التى كانت الاستجابة فيها ضعيفة ثم متوسطة والآن أستطيع أن أصفها بالمرتفعة».
بفعل ظروف الحرب على الإرهاب خلال السنوات الأخيرة، تمكنت المرأة السيناوية من الخروج من أدوارها التقليدية الهامشية، إلى أدوار محورية ذات أبعاد اقتصادية مباشرة.
وانعكس الدور الاقتصادى للمرأة فى تغيرات فكرية على الأسر السيناوية، والمرأة نفسها التى شبت بوعى مكبل، ثم اصطدمت بواقع صعب أجبرها على الانصهار فيه، وصولًا إلى اكتشاف ذاتها وقوتها الكامنة، ومن ثم تغيرت نظرتها إلى نوعها، ما يُتوقع أن ينعكس مستقبليًا على جيل رائد من الشابات السيناويات.
وتشهد محافظة شمال سيناء مواجهات شاملة لقوات الجيش والشرطة، لمطاردة فلول الإرهابيين ممن استغلوا الفراغ الأمنى عقب ثورة يناير ٢٠١١ لبسط سيطرتهم، وقفزت عملياتهم الإرهابية عقب ثورة يونيو ٢٠١٣، خصوصًا بعدما بايعت الجماعة الإرهابية الأبرز «أنصار بيت المقدس» التنظيم الإرهابى الدولى «داعش».
ولم تسلم المرأة السيناوية من الإرهاب، بل كانت مستهدفًا رئيسيًا، سواء معنويًا أو ماديًا، وباتت موضع كثير من المواد الفقهية والدعائية للتنظيم. وفى سبيل تطويعها اقتحم إرهابيون الأسواق، وهى المتنفس الوحيد للمرأة السيناوية المحافظة، ليوزعوا عليهن بيانات تدعوهن إلى «ارتداء النقاب»، ودفع أزواجهن وأبنائهن إلى الانضمام للتكفيريين. أما من تجاوزت أدوارهن المنازل، نالهن ترهيب أكبر، حيث تعرضت حافلة لنقل المعلمات فى ديسمبر من العام ٢٠١٧ إلى التوقيف من قبل إرهابيين، وأمروهن بارتداء النقاب والمكوث فى المنازل وإلا سقط عليهن غضب التنظيم.
ولم يقتصر الأمر على الاستهداف المعنوى للمرأة بما يتناسب مع أدوارها المحدودة آنذاك، بل طالتها النيران على نحو مباشر، حيث قُتلت عشرات السيدات، وفق تقديرات قبلية ونشطاء فى المحافظة، جراء إطلاق نار عشوائى من المسلحين، وكذلك أطفال.
وجاءت العملية العسكرية الشاملة سيناء ٢٠١٨ لتنقذ المدنيين، ومن بينهم النساء، من ويلات الإرهاب، لكن فى المقابل فرضت الحرب ظروفًا معيشية صعبة على الأهالى، قبل أن تعود الحياة لطبيعتها حاليًا.
وخلال الشهور الأولى للعملية، كانت الفرصة سانحة للسيدات للقيام بأدوار أكبر فى إعالة أسرهن، ولم تعد النظرة السائدة حول الأدوار التقليدية للمرأة هى المسيطرة، فى ظل قدرة سيدات كثيرات على التفكير والبدء فى مشاريعهن الخاصة، مما كان له الأثر فى إنقاذ عائلاتهن من تردى الأوضاع الاقتصادية.
وطبقًا للحكمة الرائجة «رُبّ ضارة نافعة»، كان فى تأثر أعمال السيناويين جراء الجهود الضرورية واللازمة لمواجهة الإرهاب، مساحة جديدة للسيناويات يقتحمن بها مجتمعًا محافظًا.

ضربت السيدة الثلاثينية صفاء جمال، صعيدية المنشأ سيناوية الهوى، مثلًا لقدرة السيدات على التأقلم، بل والتطور فى ظل الظروف القاسية.
استقرت «صفاء» فى مدينة العريش قادمة من محافظة أسيوط، حيث العادات المحافظة فيما يتعلق بالنساء، فى العام ٢٠٠٧، سعيًا مع زوجها خلف الرزق، قبل أن تشملهم روحانيات المدينة التى يرفضون مغادرتها رغم ضيق العيش قائلة: «حينما أخرج منها أشعر بأن روحى غريبة».
أنجبت «صفاء» ٣ أطفال أحدهم يعانى ضمورًا فى المخ. تقول لـ«الدستور»: «لم أفكر يومًا أننى سأصبح ربة مشروع، قطعتنى أسرتى عن التعليم دون إتمام المرحلة الابتدائية ودون إتقان القراءة والكتابة، وتزوجت بعدها بعدة سنوات، ونشأت فى بيئة لا تتعدى فيها أدوار المرأة الزواج والإنجاب وتدبير شئون المنزل أو مساعدة الزوج فى الحقل».
وتابعت: «تحولت ظروف أسرتى بعدما تأثر عمل زوجى بفعل أوضاع المدينة، وأصيب كذلك بمرض فى القلب، ووقع عبء الأسرة على عاتقى، وهو عبء مضاعف فى حالة معاناة نجلى الذى يتطلب انتقالى شهريًا إلى القاهرة لتلقى جرعة علاجية».
حررت الظروف الاضطرارية السيدة الثلاثينية من الصورة النمطية للمرأة، ومكنتها قوة ملاحظتها من بدء مشروعها الخاص، تقول: «لاحظت جارتى تصنع حلويات (معجنات) متقنة، كنت أقف جوارها ثم أذهب إلى بيتى وأجرب المقادير، وبعد إخفاقات عديدة تصيب الوصفة. مع المثابرة أتقنت صناعتها، وبدأت ترويجها فى نطاق جيرانى والمحيطين، حتى أصبحت باب الرزق الرئيسى لأسرتى».
فى السابق، أصابت «صفاء» إحباطات عديدة وهى لا تستطيع متابعة الدروس لابنتيها فى المنزل، لكنها بعدما أصبحت ربة مشروع وتدر ربحًا، باتت فخورة بنفسها، معوضة النقص فى توفير الأموال اللازمة لتعليم ابنتيها حتى الجامعة، كما تحلم.

أما الأربعينية عفاف محمد «ليس اسمها الحقيقى»، التى تنحدر من أصل فلسطينى فيما ولدت فى مدينة العريش، فتقول لـ«الدستور»: «لم أتمكن من العمل بعد حصولى على شهادة الدبلوم، فى ظل عادات وتقاليد لا تسمح بعمل المرأة، واحتكرت الوظائف عندنا فى سيناء لمن يأتون من خلف البحر»، وهى عبارة شائعة لدى أهالى سيناء يعبرون بها عن غير السيناوية ويقصدون بالبحر القناة.
انخرطت «عفاف» فى الحياة السيناوية التقليدية للمرأة، فتزوجت وأنجبت واقتنعت بالإرث التقليدى حول دور المرأة، لكن السيدة الأربعينية تشير إلى تحول فى حياتها حينما أطلقت الدولة حربها ضد الإرهاب، و«باتت مدينتنا أرض المعركة»، فهى تقطن فى مدينة العريش.
وتضيف: «تأثر عمل زوجى فى مجال البناء، ولم يعد يتجاوز دخله فى الشهر الـ١٠٠٠ جنيه، وهنا فكرت فى استغلال حرفة التطريز التى ورثتها عن أمى وأختى، وبدأت فى إعداد أثواب بدوية وبيعها».
وتشير إلى أنها تقضى فى العمل ١٧ ساعة يوميًا فى حال كانت لديها طلبات مطلوب تسليمها، لافتة إلى توسع عملها بعدما أدخلت عليه تطويرات بحيث تتنوع منتجاته، وتوظف التطريز الفلسطينى الأصيل فى منتجات عدة، بعدما كانت تقتصر على الثوب الذى يتم اقتناؤه من قبل فئة محددة من المهتمين بالتراث.

بصوت إذاعى منمق وعبارات مرتبة، تحدثت المذيعة فى إذاعة «الشرق الأوسط» عضو المجلس القومى للمرأة، نهى الغول، لـ«الدستور»، ناقلة جانبًا حيويًا من المعركة فى سيناء وهو الإعلام، الذى لم تتخلف عنه المرأة بل كانت فى الصفوف الأولى.
ولتصور أهمية الإعلام فى المعركة، يكفى استدعاء الأفلام القصيرة التى تحرص الجماعات الإرهابية على تصويرها لعملياتها، كجزء من حرب دعائية وحرب أعصاب، لذا فإن العمل كصوت مضاد لصوت الإرهاب ومعبر عن نبض الدولة أمر خطير للغاية.
تقول «نهى»، فيما تستعيد ذكريات استهداف الإذاعة أكثر من مرة من قبل الإرهابيين، إنها لم تفكر يومًا فى التخلى عن دورها، وكانت وزملاؤها فى الإذاعة يضطرون للسير على الأقدام لمسافة تصل إلى ١١ كيلومترًا عند تأثر حركة النقل، وذلك فى سبيل ألا يتوقف بث الإذاعة يومًا واحدًا.
اعتادت «نهى» العمل فى أجواء حرب، تستقبل مداخلة من زميلها المراسل وأصوات النيران تعبر من فوق رأسه وتدوى فى الاستديو، وتستقبل نبأ استشهاد جندى الحراسة فى محيط الإذاعة وهى تقدم فقرتها على الهواء. ولا ترى رغم ذلك بطولة فى فعلها، بل تقيمه كجزء من سياق عام يقف فيه أهالى سيناء موقفًا بطوليًا، والمرأة تصطف فى المقدمة. وتشير المذيعة إلى تطور لافت فى قضية المرأة فى سيناء، سواء فيما يتعلق بارتفاع الوعى لدى الرجل عن تجاوز الزمن فكرة الأدوار التقليدية للمرأة داخل المنزل، أو دعم تواجدها فى ميدان العمل.
كما أشارت إلى تطور قدرات المرأة نفسها مع تأقلمها مع الظروف الحياتية الصعبة التى فرضتها مواجهة الإرهاب، من نقص بعض السلع وتأثر بعض الأعمال، فكانت هى حائط الصد لعدم إحساس أسرتها بأى عجز.
ولفتت إلى تحسن كبير فيما يتعلق بالتحاق الفتيات فى سيناء بالتعليم، بل وزيادة أعداد السيناويات المقبلات على الدراسات العليا، ما وفر جيلًا من الرائدات فى مختلف المجالات.
وتستشهد المذيعة بمعرض «تراثنا» الذى شهد مشاركة سيناوية واسعة وصلت إلى ٢٣ عارضًا من أصل ٥٠٠ من جميع أنحاء الجمهورية.

وسط عادات محافظة تحظر اختلاط المرأة بالرجال، وتقضى فيها السيدات غالبية أوقاتهن فى منازلهن، يقع الرهان على من استطعن التحرر من تلك القيود، والمنظمات النسوية والأهلية لتحرير غيرهن من السيدات، فمساحة الرجل هناك فى توعية المرأة لا تتعدى حدود المحيطين به.
ودور الرجل فى حياة المرأة وانتقال الدور إلى المرأة ذاتها بمساحة أوسع من التحرك والقدرة على التأثير تحققت فى عضو المجلس القومى للمرأة، عضو مجلس الشورى السابقة، الدكتورة سهام جبريل.
تروى الدكتورة سهام، لـ«الدستور»، فضل جدها فى نشأتها ودفعها لتبنى أدوار مجتمعية، وكان رئيس إحدى قبائل الحضر فى العريش، قائلة: «كان منفتحًا واسع الأفق، لا يفرق بين صبى وفتاة، حتى إنه كان يتركنا نحن فتيات العائلة نحضر جلسات التحكيم التى يرأسها».
وتضيف: «لم تُتح فرصتى التى وفرها لى جدى وعائلتى لمعظم فتيات جيلى فى سيناء، لكن الظروف ساعدتنا أيضًا. فقد نشأت خلال الاحتلال الإسرائيلى لسيناء، ووقتها بدأت بعض القبائل تقتنع بإرسال فتياتها إلى التعلم فى القاهرة، على اعتباره وسيلة لإبعادهن عن أجواء الحرب».
ومن ثم فالتغيرات النوعية التى أتاحتها الحرب على الإرهاب مؤخرًا لم تكن الأولى، إذ سبقتها تغيرات حملتها الحرب العربية – الإسرائيلية فى سيناء، استفادت منها بعض الفتيات آنذاك، ممن أصبحن رائدات الآن.
وتشير «سهام» إلى أدوار للفتيات خلال الحرب فى سيناء، إذ كانت تتولى مهمة نقل الرسائل بين القبائل والمسئولين فى القاهرة، سواء بتدوينها على ظهر ملابسها، أو حفظها وهى رسائل مشفرة، لافتة إلى أنها تعلمت الشفرة وكانت تتولى مهمة فكّها فى رسائل عبر الإذاعة تبعثها القوات إلى قبائل سيناء.
وتعمل السيدة السيناوية حاليًا، عبر المجلس القومى للمرأة، على دعم السيناويات عبر برنامج تأهيلى متكامل يقوم على عدة محاور، اقتصادية واجتماعية، ورفع وعيهن بمختلف القضايا.
ولتصور مدى انعزال المرأة فى سيناء، فقد بدأت مهمة الدكتورة سهام ورفيقاتها لتحقيق ذلك المخطط النهضوى بمساعدة السيدات وإقناعهن بضرورة استخراج رقم قومى، وغالبيتهن ليست لديهن أوراق ثبوتية، ما يقطع صلتهن بالدولة ويحرمهن من الاستفادة من أى من برامجها.
وأشارت إلى أن المجلس ساعد سيدات كثيرات خلال الفترة الماضية فى سيناء على استخراج هوية، تمهيدًا لمساعدتهن على افتتاح مشاريع صغيرة.
وينشط المجلس القومى للمرأة بسيناء فى حملات «طرق الأبواب»، ووصلت حتى الآن إلى أكثر من ٥٠٠٠ منزل سيناوى، التقى سيداتها، وتبادل أطراف الحديث حول الوطن ومواجهة الإرهاب ودور المرأة.
ويعمل المجلس القومى للمرأة فى سيناء على رفع وعى السيناويات نحو آليات صناعة الشائعات وسبل كشفها ومواجهتها.
وإذا كانت الدولة تولى اهتمامًا خاصًا لذلك الملف فى ظل «حرب الشائعات» التى تتعرض لها، فإن مواجهتها فى ميدان مشتعل وساحة لحرب فعلية ضد الإرهاب أمر تضاعفت أهميته.
وانطلاقًا من ذلك، نظم المجلس عددًا كبيرًا من الندوات التى تسعى إلى مواجهة الشائعات، من ضمنها ندوات فى المدارس، كما مثل محورًا حيويًا فى حملة لطرق الأبواب تحت اسم «مصر أمانة».
وترتفع أهمية المرأة فى المجتمع السيناوى فى صناعة أو مواجهة الشائعة عنها فى المجتمعات الأخرى التى تلعب فيها وسائل الاتصال الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعى الدور الأبرز، حيث يقوى ضعف شبكات الاتصالات فى سيناء الاعتماد على العنصر البشرى لتقصى الأخبار والأحوال.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.