16 أكتوبر 2026 14:13
سيناء الإخبارية
سيناء الإخبارية

مسجد العباسي في رشيد.. تحفة معمارية على ضفاف النيل تحكي أسرار 200 عام

تحتفظ مدينة رشيد بمحافظة البحيرة بواحدة من أغنى مجموعات العمارة الإسلامية في مدن الدلتا، حيث تتجاور المساجد والقباب والبيوت الأثرية في مشهد عمراني فريد لا يزال يحتفظ بملامح عصور مضت، شاهداً على تاريخ طويل امتد من العصر المملوكي مرورًا بالعصر العثماني وصولًا إلى القرن التاسع عشر.

وفي قلب هذا النسيج التاريخي، يبرز مسجد العباسي المطل على النيل، باعتباره واحدًا من أبرز المعالم الأثرية التي تجسد خصوصية العمارة الإسلامية في رشيد، وتكشف تفاصيله عن براعة الحرفيين في توظيف الطوب والخشب والرخام والزخارف الدقيقة.

وتضم مدينة رشيد نحو 12 مسجدًا وزاوية أثرية، تمثل جزءًا أصيلًا من هويتها العمرانية والتاريخية، وترتبط بعض هذه المساجد بأحداث وطنية وشخصيات دينية كان لها حضور بارز في ذاكرة أهالي المدينة.

ولا تقتصر أهمية هذه المنشآت على قيمتها الدينية، وإنما تكشف أيضًا عن الحياة الاقتصادية والاجتماعية التي عاشتها رشيد خلال فترات ازدهارها التجاري والعمراني، إلى جانب المهارات الفنية التي امتلكها البناؤون في استخدام الخامات المحلية وتشكيلها في صورة زخارف وعناصر معمارية مميزة.

يقع مسجد العباسي بشارع كورنيش النيل، ويرجع تاريخ إنشائه إلى سنة 1224 هجرية، الموافق 1809 ميلادية، وقد أنشأه محمد بك الطبوزادة، بينما حمل المسجد اسم “العباسي” نسبة إلى السيد محمد العباسي، الذي دُفن في الضريح الملحق بالمسجد.

وسُجل المسجد ضمن الآثار الإسلامية بقرار وزاري صدر عام 1951، ليصبح واحدًا من الشواهد البارزة على تطور العمارة الإسلامية في رشيد خلال بدايات القرن التاسع عشر.

وتظهر خصوصية مسجد العباسي بوضوح في واجهته الشرقية، التي شُيدت باستخدام الطوب الرشيدي المنجور، وهو طوب صغير الحجم اشتهر استخدامه في مباني المدينة، حيث رُصت وحداته في مداميك أفقية تتخللها روابط وميدات خشبية.

وفي منتصف الواجهة، يلفت المدخل الرئيسي الأنظار ببروزه وتُوّجه بعقد ثلاثي، بينما يعلو الباب عتب خشبي ومنور صغير من الخرط الدقيق، وهي تفاصيل تعكس طرازًا معماريًا انتشر في مساجد الأقاليم المصرية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

ومن الداخل، يتكون المسجد من ثلاث بلاطات تفصل بينها بائكتان من العقود، ترتكزان على أعمدة رخامية وتحملان سقفًا خشبيًا مزينًا بالنقوش.

وفي الركن الشمالي الشرقي تقع قبة الضريح، بينما ترتفع خلفها المئذنة التي تضم شرفة محمولة على المقرنصات، في مشهد معماري يجمع بين البساطة والدقة الفنية.

كما تزدان أبواب المسجد ونوافذه بأعمال خشبية مطعمة وزخارف هندسية دقيقة، تعكس المستوى الفني الذي بلغته صناعة الأخشاب والزخرفة في عمائر رشيد التاريخية.

ولا تكتمل صورة مسجد العباسي دون موقعه المميز المواجه لنهر النيل؛ فالقبة والمئذنة تبدوان وكأنهما جزء من المشهد التاريخي الممتد على طول كورنيش رشيد، لتضيفا إلى المكان قيمة بصرية توازي قيمته الأثرية.

وهكذا، لا يقف مسجد العباسي مجرد مبنى ديني قديم، بل يمثل صفحة حية من تاريخ رشيد، تحفظ في جدرانها تفاصيل حقبة كاملة من الفن والعمران والحياة، وتمنح زائر المدينة فرصة للاقتراب من ملامح مصر التاريخية التي ما زالت تقاوم الزمن.