مسجد زغلول برشيد.. تحفة معمارية تحولت إلى شاهد على مقاومة حملة فريزر

تحتفظ مدينة رشيد بمحافظة البحيرة بواحدة من أغنى مجموعات العمارة الإسلامية في مدن الدلتا، حيث تتجاور المساجد والقباب والبيوت الأثرية داخل نسيج عمراني لا يزال يحتفظ بملامح قرون مضت، كاشفًا عن تاريخ طويل امتد من العصر المملوكي مرورًا بالعصر العثماني وصولًا إلى القرن التاسع عشر.
وتضم رشيد نحو 12 مسجدًا وزاوية أثرية، تمثل جزءًا أصيلًا من هويتها التاريخية، وتكشف تفاصيلها المعمارية عن براعة البنائين في توظيف الطوب المنجور والخشب والرخام والقيشاني، إلى جانب ارتباط عدد من هذه المساجد بأحداث وطنية وشخصيات دينية تركت بصماتها في ذاكرة المدينة.
ويبرز مسجد زغلول باعتباره أحد أهم وأكبر المساجد الأثرية في رشيد، إذ يمتد على مساحة تقارب 5300 متر مربع، ويضم نحو 244 عمودًا من الرخام والجرانيت، تحمل عقودًا وقبابًا صغيرة ذات طابع عثماني، في تخطيط دفع الباحثين إلى مقارنته بالجامع الأزهر من حيث اتساع المساحة وكثرة الأعمدة وتعدد الأروقة.
ولم يُبنَ المسجد في مرحلة واحدة، وإنما مر بعدة مراحل معمارية، بدأت جذورها في العصر المملوكي، قبل أن يشهد توسعات لاحقة خلال العصر العثماني. وتشير المصادر إلى أن علي زغلول أجرى توسعة للمسجد عام 1549م، بينما تذكر وزارة الأوقاف أن نصر الدين زغلول أسس الجزء الجنوبي عام 995هـ/1587م، ثم أضيف القسم الشرقي والمئذنة الشرقية خلال القرن السابع عشر.
ويكشف تعدد مراحل إنشاء المسجد عن مزيج معماري فريد جمع بين السمات المملوكية والعثمانية، وهو ما يظهر في تفاصيل المبنى وعناصره الداخلية، التي تضم محرابًا رئيسيًا ومنبرًا خشبيًا مزخرفًا وأربعة محاريب فرعية، تعكس التطورات التاريخية التي شهدها المسجد على مدار القرون.
كما ارتبط المسجد تاريخيًا بمئذنتين، لا تزال المئذنة الشرقية قائمة حتى اليوم، بينما تعرضت المئذنة الغربية لأضرار خلال أحداث الحملة الإنجليزية على رشيد عام 1807.
ولا تتوقف أهمية مسجد زغلول عند قيمته المعمارية والتاريخية، إذ ارتبط اسمه بواحدة من أبرز صفحات المقاومة الشعبية المصرية في مواجهة الحملة الإنجليزية بقيادة الجنرال فريزر عام 1807.
ومن المسجد، ارتفعت التكبيرات التي كانت بمثابة إشارة متفق عليها لبدء تحرك الأهالي بقيادة الشيخ حسن كريت ضد القوات الإنجليزية داخل شوارع رشيد، في ملحمة شعبية انتهت بهزيمة الحملة وإجبارها على الانسحاب.
وهكذا، تحول مسجد زغلول من مجرد أثر معماري شامخ إلى شاهد حي على تاريخ المدينة ومقاومة أهلها، جامعًا بين دوره الديني والتعليمي وقيمته الفنية، وبين ذاكرة وطنية ارتبطت بواحدة من أشهر المواجهات التي سجلها تاريخ رشيد.
وبين جدرانه وأروقته، تتداخل طبقات التاريخ لتروي حكاية مدينة كانت يومًا مركزًا تجاريًا وعمرانيًا مهمًا، ولا تزال حتى اليوم تحتفظ بملامح حضارتها شاهدة على عصور متعاقبة من تاريخ مصر.


تعليقات 0