14 فبراير 2026 19:08
سيناء الإخبارية
سيناء الإخبارية

قبل “فالنتين” بآلاف السنين.. “بردية هاريس” تكشف أسرار العشق المقدس في قلب مصر القديمة

بينما يتبادل العالم اليوم الورود الحمراء احتفالاً بعيد الحب، تعود الذاكرة الحضارية إلى ضفاف النيل قبل آلاف السنين، لتروي قصة شعب لم يعرف الحب كإحساس عابر، بل صاغه في برديات خالدة وأشعار منسوجة بمداد الذهب.

في مصر القديمة، لم يكن الحب مجرد عاطفة، بل كان “فلسفة حياة” ومحركاً للكون، وُثق بدقة مذهلة تفوقت على أرقى آداب العالم القديم.

في ردهات المتحف البريطاني، تقبع البردية الشهيرة (EA10060)، والمعروفة بـ “بردية هاريس”، لتكون الشاهد الأكبر على رقي الأدب العاطفي المصري. هذه الوثيقة المكتوبة بالخط الهيراطيقي ليست مجرد نص، بل هي “ديوان عشق” يتبادل فيه الرجل والمرأة أدوار البوح، حيث تمزج لغة الحب بين الحياء والجسارة، وبين الرغبة الجسدية والارتقاء الوجداني.

لم يكتفِ المصري القديم بتدوين مشاعره على البرديات الملكية، بل جعل من “الأوستراكا” (قطع الفخار والحجر) وسيلة للتعبير اليومي. ففي قرية “دير المدينة”، ترك العمال والفنانون شذرات من أشعارهم ونبضات قلوبهم، مما يثبت أن “الحس الشاعري” كان ممارسة اجتماعية عامة، تسللت من القصور إلى بيوت عامة الشعب، ليكون الحب حقاً مشاعاً للجميع.

تكشف ترجمات كبار العلماء مثل “ميريام ليختهايم” أن المصري القديم جعل من الطبيعة مرآة لعاطفته؛ فالحبيبة هي “الحديقة”، واللقاء هو “الشفاء من الوجع”، واللوتس والماء والطيور ليست مجرد ديكور، بل هي مفردات في لغة غرامية معقدة.

الاشتياق كمرض: كان المحب يصف لوعة البعد باضطراب الجسد.

اللقاء كدواء: اللحظة التي يشفى فيها المحب بمجرد رؤية وجه حبيبه.

دراما الزمن: الفجر والمساء وضفة النهر كانت المسرح الذي تُنسج عليه مواعيد الانتظار.

إن استعادة هذه النصوص في “عيد الحب” تؤكد حقيقة تاريخية واحدة: أن المصري القديم لم يفصل يوماً بين قلبه وعقله، وبين حبه وحياته اليومية. لقد أنتج خطاباً عاطفياً متطوراً يبرهن على أن مصر لم تكن فقط “فجر الضمير”، بل كانت أيضاً “فجر المشاعر الإنسانية” الأرقى.