11 سبتمبر 2026 09:57
سيناء الإخبارية
سيناء الإخبارية

لماذا تختار الصين مصر؟.. من سوق للمنتجات إلى قاعدة تصنيع وتصدير لأفريقيا

لم تعد العلاقة التجارية بين الصين وأفريقيا تقتصر على سفن محملة بالبضائع تغادر الموانئ الصينية في طريقها إلى أسواق القارة، فمع وصول التجارة بين الجانبين إلى مستويات قياسية، بدأت الشركات الصينية في توسيع خريطة وجودها خارج حدودها، بحثًا عن قواعد إنتاج أقرب إلى الأسواق المستهدفة وأكثر قدرة على النفاذ إليها.

وفي قلب هذه الخريطة تظهر مصر كإحدى أبرز النقاط الجاذبة، بفضل موقعها الاستراتيجي، وقناة السويس، وشبكة الموانئ والمناطق الصناعية، إلى جانب اتفاقيات التجارة التي تتيح للمنتجات المصنعة في مصر فرصًا للوصول إلى أسواق إقليمية واسعة، بشرط استيفاء قواعد المنشأ ومتطلبات كل اتفاقية.

وتكشف بيانات الجمارك الصينية أن حجم التجارة بين الصين وأفريقيا ارتفع إلى 348.05 مليار دولار خلال 2025، مقابل نحو 295.56 مليار دولار في 2024، بزيادة بلغت 17.7%. وبلغت الصادرات الصينية إلى القارة 225.03 مليار دولار، بينما سجلت الواردات من أفريقيا 123.02 مليار دولار، ليصل الفائض التجاري الصيني إلى أكثر من 102 مليار دولار.

وهنا يبرز السؤال الأهم: لماذا تكتفي الشركات الصينية بالتصدير إلى أفريقيا، بينما تستطيع تصنيع منتجاتها داخل مصر ثم إعادة تصديرها إلى أسواق القارة؟

الاستثمارات تتجاوز 8 مليارات دولار

الأرقام المصرية تكشف حجم الحضور الصيني المتزايد. ووفق بيانات الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، تعمل في مصر نحو 2800 شركة صينية باستثمارات تتجاوز 8 مليارات دولار، فيما بلغ حجم التجارة المصرية الصينية نحو 16 مليار دولار خلال 2024.

وخلال منتدى الاستثمار المصري الصيني في نوفمبر 2025، أكد وزير الاستثمار والتجارة الخارجية حسن الخطيب أن المرحلة المقبلة تستهدف جذب مزيد من الاستثمارات الصينية، والتوسع في الإنتاج المشترك الموجه للتصدير، وزيادة التصنيع المحلي والقيمة المضافة، وفتح الطريق أمام المنتجات المصرية للوصول إلى الأسواق الإقليمية والدولية.

لكن من المهم التفرقة بين إجمالي استثمارات الشركات الصينية في مصر وبين رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني، إذ إن الرقمين يعكسان مؤشرين مختلفين ولا ينبغي الخلط بينهما.

قناة السويس.. نصف الاستثمارات الجديدة تحمل بصمة صينية

وتظهر جاذبية مصر بصورة أكثر وضوحًا داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي تحولت إلى نقطة ارتكاز رئيسية للاستثمارات الصينية.

فقد أعلن وليد جمال الدين، رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، أن المنطقة نجحت خلال ثلاثة أعوام ونصف في جذب استثمارات بلغت نحو 11.6 مليار دولار، استحوذ المستثمرون الصينيون على 50% منها، بما يعادل حسابيًا نحو 5.8 مليار دولار.

وتكشف البيانات أيضًا عن توسع التعاون داخل منطقة «تيدا-مصر»، التي تضم مشروعات صناعية وخدمية ولوجستية صينية، فيما تجاوزت الاستثمارات المرتبطة بها 3 مليارات دولار وفق بيانات منشورة عن المنطقة الاقتصادية.

لماذا مصر؟.. الموقع وحده لا يكفي

قد تبدو الإجابة للوهلة الأولى واضحة: قناة السويس تقع في قلب طرق التجارة العالمية. لكن جاذبية مصر بالنسبة للمصنع الصيني تتجاوز مجرد الموقع الجغرافي.

فوجود الموانئ والمناطق الصناعية في نطاق قريب من قناة السويس يعني إمكانية اختصار المسافة بين خطوط الإنتاج والأسواق الخارجية، بينما تمنح شبكة اتفاقيات التجارة التي ترتبط بها مصر فرصة للوصول إلى عدد كبير من الأسواق، متى استوفى المنتج قواعد المنشأ والشروط المحددة لكل اتفاقية.

وهذه المعادلة تمنح المستثمر الصيني نموذجًا مختلفًا: ينتج في مصر، يستفيد من البنية التحتية والموانئ، ثم يوجه إنتاجه إلى الخارج بدلًا من الاكتفاء ببيع المنتج داخل السوق المحلية.

مصانع صينية تخصص إنتاجها بالكامل للتصدير

الدليل الأكثر وضوحًا على هذا التحول يظهر في مشروعات القنطرة غرب.

فقد تعاقدت شركة ShuanFeng الصينية على إنشاء مصنع للملابس الجاهزة باستثمارات تبلغ 8 ملايين دولار، وبطاقة إنتاجية تصل إلى 16.5 مليون قطعة سنويًا، مع توفير نحو 2000 فرصة عمل مباشرة، والأهم أن 100% من إنتاج المصنع موجه للتصدير وفق بيانات المنطقة الاقتصادية.

ويتكرر النموذج مع شركة EVERFAR الصينية، التي وقعت عقدًا لإنشاء مجمع متكامل للمنسوجات والملابس في القنطرة غرب باستثمارات تبلغ 130 مليون دولار، ويوفر أكثر من 3200 فرصة عمل مباشرة، مع تخصيص كامل إنتاجه للتصدير وفق البيانات المعلنة.

وهنا تتغير المعادلة: لم تعد مصر مجرد سوق تستقبل المنتج الصيني، وإنما تتحول تدريجيًا إلى منصة إنتاج يمكن أن تحمل منتجات المصانع الصينية إلى أسواق خارجية.

المصنع وحده لا يكفي.. الموانئ ومراكز التوزيع تكمل الحلقة

ولا يتوقف الرهان الصيني على إنشاء المصانع، إذ امتد التعاون إلى إدارة وتشغيل الموانئ والمناطق اللوجستية، وإنشاء مراكز توزيع إقليمية ومناطق حرة، إلى جانب جذب شركات صينية متخصصة في الخدمات اللوجستية والتخزين الذكي.

وهنا تكتمل الحلقة الاقتصادية: مصنع ينتج داخل مصر، وميناء يربطه بخطوط الملاحة العالمية، ومراكز لوجستية تحرك البضائع، واتفاقيات تجارة تفتح أمام المنتج المؤهل أبواب أسواق إقليمية واسعة.

348 مليار دولار.. أفريقيا تفسر الرهان الصيني

وتأتي هذه التحركات في توقيت تزداد فيه أهمية السوق الأفريقية بالنسبة للصين.

فالتجارة الصينية الأفريقية قفزت من 295.56 مليار دولار في 2024 إلى 348.05 مليار دولار في 2025، بزيادة تجاوزت 52 مليار دولار خلال عام واحد.

كما ارتفعت الصادرات الصينية إلى أفريقيا بنسبة 25.8% لتصل إلى 225.03 مليار دولار، بينما زادت الواردات الصينية من القارة بنسبة 5.4% إلى 123.02 مليار دولار.

ومع توسع منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، تزداد قيمة الدول التي تمتلك موقعًا لوجستيًا قويًا وشبكة اتفاقيات تجارية وبنية صناعية قادرة على خدمة أسواق متعددة.

ومصر، بحكم عضويتها في اتفاقيات أفريقية وإقليمية، إلى جانب امتلاكها قناة السويس وشبكة موانئ ومناطق صناعية، تقدم للشركات الصينية مزيجًا يصعب تجاهله.

من صنع في الصين إلى صنع في مصر

لا تعني هذه الأرقام أن الصين تنقل قاعدتها الصناعية بالكامل إلى مصر، كما لا يعني وجود مصنع صيني أن إنتاجه موجه بالضرورة إلى أفريقيا وحدها.

لكن المؤشرات تكشف اتجاهًا أكثر وضوحًا: التصنيع من أجل التصدير أصبح جزءًا معلنًا من حسابات الاستثمارات الصينية في مصر.

فوجود نحو 2800 شركة صينية واستثمارات تتجاوز 8 مليارات دولار، إلى جانب استحواذ الاستثمارات الصينية على نصف الـ11.6 مليار دولار التي جذبتها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس خلال ثلاثة أعوام ونصف، يعكس ثقل الحضور الصيني في الاقتصاد المصري.

وفي المقابل، فإن تخصيص مشروعات صينية جديدة في القنطرة غرب كامل إنتاجها للتصدير يقدم نموذجًا عمليًا لفكرة تحول مصر إلى قاعدة إنتاج إقليمية.

ويبقى الرهان المصري الأكبر ليس فقط في جذب المصنع، وإنما في تعظيم القيمة التي يضيفها هذا المصنع للاقتصاد المحلي، من خلال زيادة المكون المحلي، ونقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعات، ودمج الشركات المصرية في سلاسل التوريد، ورفع حجم الصادرات التي تحمل منشأً مصريًا وقيمة مضافة حقيقية.