8 أغسطس 2026 18:21
سيناء الإخبارية
سيناء الإخبارية

من الاضطراب إلى صناعة الوعي.. كيف أعادت دراما ما بعد 30 يونيو تشكيل الذاكرة المصرية وتوثيق مواجهة الإرهاب؟

شهدت مصر عقب ثورة 30 يونيو 2013 تحولًا لافتًا لم يقتصر على المشهدين السياسي والاقتصادي فقط، بل امتد تأثيره بقوة إلى صناعة الفن والدراما، التي استعادت دورها كأداة مؤثرة في تشكيل الوعي العام وتوثيق اللحظات المفصلية في التاريخ المعاصر.

فبعد سنوات اتسمت بالتخبط والتجريب، بدأت الدراما والسينما المصرية في إعادة تموضعها، متجهة نحو موضوعات أكثر ارتباطًا بالهوية الوطنية، والتحديات الأمنية، ومواجهة الفكر المتطرف، في محاولة للاقتراب من الواقع الذي عاشه المجتمع المصري خلال عقد شديد الحساسية.

وبرزت خلال هذه المرحلة مجموعة من الأعمال الدرامية التي حملت طابعًا توثيقيًا ومحتوى شديد التأثير، من بينها ” الاختيار، والعائدون، والقاهرة كابول، والسرب ” ، والتي تناولت كواليس المواجهة مع التنظيمات الإرهابية، وسلطت الضوء على بطولات الجيش والشرطة في حماية الدولة ومواجهة التهديدات التي استهدفت استقرارها.

ومن جانبه قال الناقد الفني، طارق الشناوي، أن هذه الأعمال لم تكن مجرد دراما ترفيهية، بل لعبت دورًا مهمًا في توثيق أحداث مفصلية من تاريخ مصر الحديث، مشيرًا إلى أن بعض الأعمال، وعلى رأسها ” الاختيار 3 “، اعتمدت على مواد أرشيفية ومقاطع حقيقية من الواقع السياسي، ما منحها قيمة توثيقية استثنائية ستظل حاضرة في الذاكرة الجمعية للمشاهد المصري.

وتابع أن الدراما في هذه المرحلة تحولت إلى مساحة لتقديم سرد بصري للأحداث الكبرى، خاصة تلك المتعلقة بمرحلة ما بعد 2011، وما تبعها من صراعات سياسية وأمنية، مؤكدًا أن الفن هنا لم يعد منفصلًا عن الواقع، بل أصبح شريكًا في إعادة قراءته وتفسيره.

وأوضح أن الصناعة الدرامية المصرية شهدت طفرة إنتاجية غير مسبوقة، مدعومة بكيانات إنتاجية كبرى ضخت استثمارات ضخمة، مما انعكس على جودة الصورة والإخراج والإنتاج الفني، وأتاح تقديم أعمال قادرة على المنافسة عربيًا، سواء من حيث مستوى التنفيذ أو حجم الانتشار.

وإلى جانب الأعمال ذات الطابع التاريخي والسياسي، ظهرت موجة جديدة من المسلسلات التي حملت رؤى اجتماعية وإنسانية معاصرة، مثل ” الحشاشين  والفتوة ” ، والتي أعادت قراءة فترات تاريخية مختلفة برؤية درامية حديثة تمزج بين التشويق والإبهار البصري.

كما برزت بقوة الأعمال القصيرة أو ما يُعرف بـ” المسلسلات المحدودة “، التي حققت نجاحًا جماهيريًا واسعًا خلال السنوات الأخيرة، ومن أبرزها “بالطو وتحت الوصاية”، حيث نجحت هذه الأعمال في تقديم قصص إنسانية مكثفة تعكس هموم الشارع المصري وتطرح قضايا اجتماعية شائكة بأسلوب مبسط وقريب من الجمهور.

وأشار إلى أن بين التوثيق والدراما والرسالة الفنية، خلال الفترة التي أعقبت 30 يونيو، فتحت صفحة جديدة في تاريخ الفن المصري، صفحة تحاول أن توازن بين الإبداع والواقع، وبين المتعة البصرية والرسالة الوطنية، لإعادة رسم ملامح المستقبل الفني .

كما انتقدت الناقدة الفنية، ماجدة خير الله، غياب الأعمال السينمائية والدرامية التي توثق ثورة 30 يونيو بشكل يوازي حجم الحدث وأثره في التاريخ المصري الحديث، معتبرة أن ما قُدِّم حتى الآن لا يرتقي إلى مستوى هذه المناسبة المفصلية.

وقالت إن الأعمال الفنية التي تناولت تلك المرحلة ” لم تليق بحجم الحدث ” ، مشيرة إلى أن الأمر يتكرر مع العديد من المحطات التاريخية الكبرى في مصر، على غرار حرب أكتوبر وغيرها من الأحداث التي كان من المفترض أن تحظى بتمثيل فني أعمق وأكثر شمولًا.

وتابعت أن المشكلة الأساسية لا تتعلق فقط بفكرة الإنتاج، وإنما بنمط التفكير السائد لدى بعض المنتجين، الذين يركزون  على الأعمال ذات العائد التجاري السريع، على حساب الأعمال التوثيقية التي تحمل قيمة تاريخية ووطنية طويلة المدى.

وشددت على أن توثيق الأحداث التاريخية عبر الدراما والسينما ليس ترفًا فنيًا، بل ضرورة ثقافية وتاريخية، لأنه يمثل سجلًا بصريًا ووجدانيًا للأجيال القادمة، يساعد على فهم التحولات الكبرى التي مرت بها الدولة والمجتمع.

وأضافت أن التجارب العالمية تقدم نموذجًا واضحًا في هذا السياق، حيث لا تزال السينما العالمية حتى اليوم تنتج أعمالًا عن الحربين العالميتين الأولى والثانية، مما يعكس أهمية الفن في حفظ الذاكرة الإنسانية وتوثيق اللحظات الفاصلة في تاريخ الشعوب.

وأكدت على أن المرحلة الحالية تتطلب اهتمامًا أكبر من صناع السينما والدراما بتوثيق الأحداث الوطنية الكبرى، بما يضمن بناء ذاكرة فنية متكاملة، تعكس الواقع وتُسهم في ترسيخ الوعي التاريخي لدى الجمهور، بدلًا من الاكتفاء بأعمال ترفيهية سريعة الاستهلاك.