تأخير الإفطار خطر صامت على القلب وفق دراسات حديثة

لم يعد توقيت تناول الطعام مسألة تنظيم يومي فقط، بل تحوّل إلى عامل صحي مؤثر قد يحدد مستقبل القلب والأوعية الدموية. فاختيار ساعة تناول وجبة الإفطار، خاصة عند تأخيرها، يحمل تبعات صحية تتجاوز الإحساس بالجوع أو الكسل الصباحي، وفق ما كشفته أبحاث علمية حديثة.
تشير تقارير طبية حديثة إلى أن تأخير الإفطار لما بعد التاسعة صباحًا يرتبط بارتفاع واضح في احتمالات الإصابة بأمراض القلب، وعلى النقيض، فإن البدء بتناول الطعام في وقت مبكر ينعكس إيجابًا على صحة الشرايين، وانتظام ضغط الدم، واستقرار مستويات السكر في الجسم، وهو ما يجعل توقيت الوجبة الأولى عنصرًا أساسيًا في الوقاية القلبية.
توقيت الإفطار لم يعد عادة عشوائية
اعتمد باحثون في فرنسا على تحليل بيانات أكثر من مئة ألف شخص، ضمن دراسة استمرت لأكثر من سبع سنوات، لرصد العلاقة بين توقيت الوجبات وصحة القلب. وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين يؤخرون الإفطار لما بعد التاسعة صباحًا يواجهون مخاطر أعلى للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية مقارنة بمن يتناولون إفطارهم في ساعات الصباح الأولى.
كما أوضحت البيانات أن كل ساعة تأخير إضافية في الإفطار تزيد من مستوى الخطر تدريجيًا، وهو ما يعكس الدور الحاسم للإيقاع البيولوجي في تنظيم وظائف القلب. ويعزو العلماء ذلك إلى أن الساعة الداخلية للجسم تتحكم في إفراز الهرمونات وطريقة استجابة الخلايا للأنسولين.
عندما يختل التوافق بين توقيت الطعام والساعة البيولوجية، تتراجع كفاءة التمثيل الغذائي، وتزداد مقاومة الأنسولين، ما يفتح الباب أمام ارتفاع ضغط الدم وتراكم الدهون داخل الشرايين.
العشاء المتأخر وتأثيره الخفي
لم تقتصر نتائج الدراسة على وجبة الإفطار وحدها، بل كشفت أيضًا أن تناول العشاء بعد التاسعة مساءً يرفع خطر الإصابة بمشكلات الأوعية الدموية الدماغية بنسبة قد تصل إلى 28%. ويُعزى هذا التأثير إلى انخفاض قدرة الجسم على هضم الطعام ليلًا بسبب ارتفاع هرمون الميلاتونين المرتبط بالنوم.
في المساء، تصبح الخلايا أقل كفاءة في التعامل مع الدهون والسكريات، ما يؤدي إلى تراكمها في الدم. كما أن من يعتادون تناول وجبات متأخرة غالبًا ما يعانون من اضطرابات النوم، وزيادة الوزن، وارتفاع الالتهاب المزمن، وهي عوامل ترتبط بشكل مباشر بأمراض القلب.
الساعة البيولوجية ودورها في الأيض
يلعب الإيقاع اليومي للجسم دورًا محوريًا في تحديد حساسية الخلايا للأنسولين. ففي الصباح، يكون الجسم في ذروة استعداده لاستخدام الجلوكوز وتحويله إلى طاقة، بينما تتراجع هذه القدرة تدريجيًا مع تقدم ساعات اليوم.
ولهذا، فإن تناول وجبة متوازنة في وقت مبكر يساعد على تحسين استهلاك الطاقة ويقلل من تراكم الدهون في الدم. كما يساهم الإفطار المبكر في استقرار ضغط الدم، وتنظيم ضربات القلب، وخفض مستويات الكورتيزول المرتبط بالتوتر. في المقابل، يؤدي تأخير الوجبة الأولى إلى زيادة الإجهاد التأكسدي والالتهاب داخل الأوعية الدموية.
هل التوقيت أهم من نوعية الطعام؟
لا يمكن الفصل التام بين نوع الطعام وموعد تناوله، فالعاملان متكاملان. إذ ينصح الأطباء باتباع أنماط غذائية صحية تعتمد على الفواكه، والخضراوات، والحبوب الكاملة، والأسماك الغنية بالأحماض الدهنية المفيدة، مع تقليل الصوديوم والدهون المشبعة.
ورغم ذلك، يبقى التوقيت عنصرًا لا يقل أهمية عن محتوى الوجبة. فالإفطار الصحي في الساعات الأولى بعد الاستيقاظ يدعم كفاءة الأيض ويمنح القلب فرصة للعمل بإيقاع منتظم طوال اليوم، بينما يؤدي الإفطار المتأخر إلى إرباك الساعة الداخلية وإجهاد عضلة القلب دون ملاحظة.
أفضل مواعيد الوجبات لحماية القلب
يوصي الباحثون بتناول الإفطار خلال الساعة الأولى بعد الاستيقاظ، على أن تكون الوجبة خفيفة ومتوازنة، تضم مصدرًا للبروتين، وكربوهيدرات بطيئة الامتصاص، ودهونًا صحية.
أما وجبة العشاء، فيُفضل تناولها قبل النوم بثلاث ساعات على الأقل، لمنح الجهاز الهضمي الوقت الكافي قبل بدء النوم.
الالتزام بمواعيد ثابتة للوجبات اليومية يساعد على تنظيم الهرمونات، والحفاظ على توازن ضغط الدم وسكر الدم، ما يشكّل خط دفاع مهمًا ضد أمراض القلب على المدى الطويل.


تعليقات 0